لقاء بعد غياب – محمد نور
— “من المعارف؟!”
— “نحن عجال من أمرنا وعلينا الرحيل.”
حاولتُ التراجع والابتعاد، لكنه اعترض طريقنا. لم يكن قسرياً ولا عدوانياً، ولم يلمسني حتى، بل وقف شخاصاً أمامنا كالسد.
وحينها تذكرتُ شيئاً كنتُ قد نسيته طوال تلك السنوات: عندما كان أمير يريد الحصول على إجابة، كان مستعداً للانتظار طوال الليل حتى ينالها!
— “كم عمره؟” سأل أمير.
— “هذا أمر لا يعنيك.”
— “مريم!”
— “ثلاث سنوات.”
انغرست نظراته الحادة في حمزة:
— “هل أتم الثلاث حديثاً؟”
لم أجب، غير أن حمزة —بخيانة البرئين— أجاب بفرح وبراءة:
— “عمري ثلاث سنوات وسبعة أشهر!”
أغمضتُ عينيّ بألم.
بدأ أمير يحسبها في ذهنه، ورأيته يجري الحسبة الملعونة: خمس سنوات مضت على انفصالنا… تسعة أشهر من المستحيل تبريرها ظاهرياً… ثم ثلاث سنوات وسبعة أشهر. للوهلة الأولى، لم تكن الحسبة والرياضيات تتطابق بحال! وكان هذا تحديداً هو الدرع الساتر الذي حماني طوال الفترة الماضية.
— “هيا بنا يا حمزة.”
لكن طفلي ظل يحدق في أمير باهتمام:
— “أمي…”
— “ماذا يا حمزة؟”
— “إنه يشبهني!”
كدتُ أغص بريقي.
أنزل أمير نظراته ببطء نحو الصغير، فأشار حمزة إلى وجهه وقال:
— “يمتلك نفس حواجبي!”
— “بل أنت من يمتلك…” بدأتُ كلامي ثم بلعتُ بقية الجملة وسكتُّ.
رفع أمير حجبيه، فقلّده حمزة فوراً وصنع الحركة نفسها!
تمنيتُ لو أبكي في تلك اللحظة.
— “هيا بنا، سنغادر الآن.”
لم يحاول أمير إيقافي هذه المرة. وكان ينبغي لذلك أن يريحني، لكنه لم يفعل مطلقاً؛ لأنني أعرف أمير جيداً… لو كان قد صرخ، لكان هناك مجال للمفاوضة، ولو كان قد جادل، لكان هناك منفذ للهروب. أما وقد صمت وتملكته السكينة، فهذا يعني شيئاً واحداً: أنه بدأ بالتحري والنبش خلفي بالفعل!
في الساعة الثامنة مساءً، وردني اتصال هاتف من رقم مجهول. لم أرد، فكرر الاتصال مرة ثانية وثالثة… وفي المرة الرابعة، حظرتُ الرقم.
وبعد خمس دقائق فقط، طرق أحدهم باب شقتي.
لم أكن بحاجة للنظر من العين السحرية للباب؛ فقد كنتُ أعلم يقيناً من يقف بالخارج.
— “مريم!” نفذ صوته من خلف الخشب، “افتحي الباب.”
بقيتُ واقفة في مكاني بلا حراك:
— “ليس بيننا ما نتحدث عنه.”
— “الملف الطبي الخاص بحملك وولادتك معي الآن!”
توقف العالم عن الدوران من حولي. فتحتُ الباب بضغطة واحدة: