لقاء بعد غياب – محمد نور
توقف أمير عن تركيب لعبة القطار التي أهداها لحمزة في العيد:
— “هل هذا ما تظنينه بي؟”
— “لديك من المال ما يكفي لاستئجار مئة محامٍ.”
— “ولدي من المال أيضاً ما يكفي كي لا أحتاج لسرقة طفل من أمه.”
لم أرد، فأضاف:
— “ثم إن حمزة يحبكِ أكثر من أي شخص في هذا العالم، وفصله عنكِ يعني تدميره تماماً… وقد خسر الكثير من الوقت معي بالفعل.”
ثم نظر إلى يدي ولم أدرِ ما أقول.
ركض حمزة داخلاً: “يا أبي!”
سقطت قطعة القطار من يد أمير، وتصلبتُ أنا في مكاني؛ كانت تلك المرة الأولى التي يناديه فيها حمزة بهذا الاسم.
رفع أمير رأسه ببطء شديد:
— “ماذا قلت؟”
بدا حمزة محتاراً: “أبي!”
وضع أمير يده على فمه، ورأيتُ دموعه تترقرق في عينيه. تراجع حمزة للخلف مستغرباً:
— “هل قلتُ شيئاً خاطئاً؟”
احتضنه أمير بسرعة شديدة جعلت الصغير يشهق:
— “لا…” قالها بصوت مرتجف، “لم تقل أي شيء خاطئ… يمكنك أن تناديني بها كلما أردت!”
ودفن وجهه في شعر الصغير.
التفتُّ ونظرتُ بعيداً، وتظاهرتُ بالبحث عن شيء في المطبخ؛ لأن رؤية أمير يبكي كانت ضعفاً لا أستطيع تحمله.
تفاقم مرضي وازدادت حالتي سوءاً بأسرع مما توقعت، وعرفتُ ذلك قبل أن ينهي الطبيب كلامه: بروتوكول علاج جديد، تنويم في المستشفى، احتمال زراعة، تكاليف باهظة، ونسب نجاح غير مضمونة.
خرجتُ من عيادة الطبيب بمفردي… أو هكذا ظننت؛ إذ كان أمير متكئاً على الجدار بالخارج.
— “ماذا تفعل هنا؟”
— “أنتظركِ.”
— “كيف عرفت؟”
— “أخبرني حمزة أن لديكِ اليوم ‘الموعد الذي تعود منه أمي حزينة’.”
تباً لهذا الطفل الملاحظ!
حاولتُ التجاوز والمرور، فأمسك أمير بذراعي بلطف:
— “ماذا قال الطبيب؟”
— “لا شيء.”
— “مريم!”
— “ليس من شأنك.”
— “أنتِ أم ابني!”
— “بالضبط… أم ابنك، ولستُ مسؤوليتك!”
تغيرت تعابير وجهه:
— “هل هذا ما تظنينه؟”
— “لا أريد أموالك.”
— “لم أسألكِ عما تريدين!”
— “بل كان يجب عليك أن تسأل!”
— “حسناً… ماذا تريدين؟”
خرجت الإجابة مني قبل أن أستطيع كبحها:
— “أريد أن أعيش!”
تصلب أمير في مكانه، وكذلك فعلتُ أنا. بعد أشهراً من التظاهر بأنني مستعدة لأي نهاية، فإن نطقها بصوت عالٍ حطم شيئاً في داخلي:
— “أريد أن أرى حمزة وهو يدخل المدرسة… أريد أن أراه وهو يفقد أول سن من أسنانه…”
تكسر صوتي وبدأتُ بالبكاء: