لقاء بعد غياب – محمد نور

— “لا تصرخ على أمي!”

تجمّدنا نحن الاثنين في مكاننا.

تقدم طفلي الصغير ووقف أمامي، كان يرتدي بيجامة برسمة الديناصورات، وكان طوله يبلغ ركبتي أمير كحد أقصى، ومع ذلك فتح ذراعيه الصغيرتين وكأنه يعتقد يقيناً أنه يقدر على حمايتي!

— “حمزة…” همستُ.

— “لا بأس يا أمي.”

ثم نظر إلى أمير بحزم وصارمة: “لا يجوز لك الصراخ هنا!”

حدق أمير فيه، وتبدد غضبه في ثوانٍ معدودة. جثا على ركبتيه حتى صار في مستواه:

— “معك حق.”

ظل حمزة يشخص فيه بريبة:

— “اعتذر لها!”

ابتلع رئيس مجلس إدارة مجموعة الهاشمي ريقه بصعوبة:

— “أنا أسف.”

— “اعتذر لأمي!”

رفع أمير نظريه إليّ وقال:

— “أنا أسف يا مريم.”

أومأ حمزة برأسه: “حسناً…” ثم أشار إلى الباب: “الأن يمكنك الرحيل!”

كاد الأمر يكون مضحكاً لولا كثافة الألم في صدورنا.

قام أمير واقفاً، وقبل أن يخرج، التفت ونظر إلى حمزة بنظرة ملؤها الحزن الدفين:

— “هل يمكنني رؤيتك مجدداً؟”

نظر حمزة إليّ يستأذنني، فلم أجب. فكر الصغير لثوانٍ ثم قال:

— “إذا أحضرتَ معك كعكة الفراولة!”

شعرتُ بوخزة غريبة في صدري… كعكة الفراولة! الوعد نفسه الذي قطعه أمير عبر الهاتف في ذلك الصباح!

ويبدو أنه تذكر الأمر أيضاً فقال:

— “سأفعل.”

— “إذن؛ أوافق!”

اكتشفتُ في اليوم التالي أنني فهمتُ المكالمة بشكل خاطئ؛ إذ لم تكن “كريمة” هي من وعدها أمير بالكعكة، بل كانت “سارة”، ابنته أخته البالغة من العمر سبع سنوات، والتي توفيت والدتها قبل سنتين فصار أمير وليها والوصي عليها.

أما “كريمة”، فلم تكن خطيبته قط، بل كانت ابنة أحد أكبر المساهمين في الشركة، وكانت شائعات الزواج تخدم المصالح التجارية للعائلتين لا أكثر.

وعندما سألته عن الصورة التي نشرتها كريمة، أجاب أمير ببرود شديد جعلني أرحم حالها:

— “لقد حذفتها.”

— “لم ألاحظ ذلك.”

— “لأنها نشرت اعتذاراً رسمياً أيضاً.”

— “هل أجبَرتها؟”

— “لا… فقط ذكّرتها أن التشهير بالقاصرين قد يكلف الكثير من المال.”

كان ذلك يشبه شخصيته تماماً، ولم أستطع أن أنكر أن تصرفه أثلج صدري!

طوال الأسابيع التالية، كان يزورنا كل يوم تقريباً؛ لم يأتِ قط دون إذن، ولم يحاول أخذ حمزة، ولم يذكر المحامين إطلاقاً.

في البداية، بدا لي الأمر مدعاة للشبهة:

— “ظننتُ أنك ستسعى للحصول على الحضانة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *