لقاء بعد غياب – محمد نور
— “نعم.”
أغمض أمير عينيه لثانية واحدة، وعندما فتحهما، كانتا حمراوين بالدموع:
— “قوليها ثانية!”
— “حمزة هو ابنك.”
تراجع خطوة إلى الخلف وكأنني وجهتُ إليه لطمة مسددة:
— “لدي ابن…”
سكت، ثم ضغط على فكيه بقوة وقال:
— “لدي ابن في الثالثة من عمره وانتِ… أنتِ لم تخبريني؟!”
— “لا.”
— “لماذا؟!”
بتسمتُ بتهكم وخيبة:
— “هل تريد النسخة المختصرة، أم النسخة التي ستجعلك تكرهني مجدداً؟”
— “أريد الحقيقة!”
— “الحقيقة هي أنك عندما رحلتُ، أقسمتَ أنك لو رأيتني مجدداً ستتعامل معي وكأنني غريبة لا تعرفها!”
— “لأنكِ تركتِني وغادرتِ دون كلمة أو تفسير واحد!”
— “ظننتُ أن تلك هي الطريقة الوحيدة لأبقيكَ حياً على قيد الحياة!”
تصلب في مكانه.
ذهبتُ إلى الدرج عند المخرج وأخرجتُ صندوقاً قديماً احتفظتُ به طوال خمس سنوات. كان يحتوي على رسائل التهديد، والصور، والصور الضوئية، وشريحة ذاكرة.
تصفح أمير كل وثيقة، وكلما قرأ أكثر، كلما ازداد وجهه شحوباً واصفراراً.
— “لماذا لم تراني هذا من قبل؟!”
— “لأنك كنت غائباً عن الوعي في المستشفى!”
— “وبعد أن تعافيت؟”
— “كانت عائلتك تسيطر على كل مفصل في حياتك!”
— “كنتُ سأختار حمايتكِ والتضحية بأي شيء لأجلك!”
— “أعلم ذلك…”
أجمجمته إجابتي وألجمت لسانه.
أضفتُ: “ولهذا السبب تحديداً رحلتُ!”
أطلق أمير ضحكة مكسورة مليئة بالألم:
— “إذن اتخذتِ القرار نيابة عني؟”
— “نعم.”
— “وقررتِ أن خسراني ورحيلكِ هو الأفضل لي؟”
— “نعم.”
— “وقررتِ أيضاً أنني لا أحتاج لمعرفة أن لدي ابناً؟!”
هنا لم أستطع الإجابة؛ لأن ذلك الجزء كان أنانية مني بالفعل… كان خوفاً، وقليلاً من المرارة.
عندما ولد حمزة، فكرتُ مراراً في الاتصال به، لكنني بعد ذلك صرتُ أرى صوره مع نساء أخريات، وشائعات عن خطوبته، ومقابلات صحفية… حياة كاملة ومثالية تم بناء ترميمها من دوني، فأقنعتُ نفسي أن لا مكان لنا فيها.
— “لقد أخطأتُ…” قلتها في النهاية.
لمعت عين أمير بالدموع:
— “هذا لن يعيد لي ثلاث سنوات من عمره!”
— “أعلم…”
— “لم أسمع كلمته الأولى!”
— “أعلم…”
— “لم أكن بجانبه عندما خطى خطوته الأولى!”
— “أعلم…”
— “لم أكن أعلم بوجوده أصلاً!”
كانت كل جملة ينطق بها أشد إيلاماً من التي سبقتها.
— “أعلم…”
ضرب الجدار بكفه بغضب، فظهر حمزة فجأة في الممر: