سافرت الى لندن – محمد نور

كان واقفاً أمام المرآة يضبط أزرار أكمامه، مركزاً كل اهتمامه على أن يبدو ياقة قميصه بأبهى صورة.

 

كنتُ أعرف ذلك القميص جيداً.. اشتريتُه له بنفسي قبل عيدين.

 

وكذلك أزرار الأكمام، كانت منقوشة بحرفينا:

«ر & ف» (ريم وفيصل).

 

كدتُ أضحك حسرة.. ما أغرب أن يرتدي الرجل كل هذه الذكريات التي أهدتها له زوجته، ليمضي بها إلى امرأة أخرى!

 

سألتُه:

— متى ستعود؟

 

نظر إليّ عبر المرآة وقال:

— لا أعلم، غالباً سأتأخر.. لا تنتظريني واستريحي.

 

— هل هو عميل مهم لهذه الدرجة؟

 

— مهم جداً.

 

قالها بكذب متقن وبطبيعية مرعبة، دون أن يطرف له جفن.

 

كانت تلك اللحظة هي التي حطمت ما تبقى له في قلبي.. ليس القبلة التي رأيتها، ولا وجود «مريم»، ولا حتى علبة الواقي.. بل كانت تلك السهولة الشديدة في الخداع.

 

بعد ثلاثين عاماً من المعرفة، كان فيصل يعلم بالظبط كيف يبتسم لكي أصدق أي شيء يقوله.

كنتُ أستطيع تمييز قلقه على الشركة، وألم رأسه، وتصنُّعه الاستمتاع بطعام لا يعجبه.. لكنه في المقابل كان يعرفني جيداً، ويعرف أي نبرة صوت يختارها ليكذب عليّ.

 

قلتُ له:

— اذهب إذن.. لا تجعل عميلك ينتظر.

 

اقترب مني وقبّل جبهتي قائلاً:

— سأعوضكِ غداً.

 

ضغطتُ بأظافري على كف يدي لكي لا أرتجف أمامه.

 

وما إن أُغلق الباب حتى بقيتُ واضحة في منتصف الصالة.. لم أبكِ، وهذا ما أدهشني!

طالما اعتقدتُ أنني إذا اكتشفتُ خيانته مرة أخرى فسأنهار تماماً، كما بكيتُ قبل ثماني سنوات حتى كدتُ أفقد القدرة على التنفس.. أما هذه المرة فلا.

ربما لا تنكسر المرأة بالطريقة نفسها إلا مرة واحدة، وفي المرة الثانية تكون قد عرفت موضع الشروخ بالظبط.

 

أخرجتُ صورة التقرير الطبي والأشعة من حقيبتي.. اثنا عشر أسبوعاً.

طوال هذه المدة وأنا أحمي هذا السر بسعادة طفولية.

طالما أراد فيصل أن يكون أباً.. سنوات طويلة قضيناها بين الأطباء، والفحوصات، والانتظار، والنتائج السلبية.

في كل شهر كان يضمني بينما أبكي ويقول: «لا بأس، حتى لو لم نرزق بأطفال، فأنتِ عائلتي الوحيدة».

 

وحين رأيتُ خطّي الفحص الإيجابيين لأول مرة، جلستُ على أرضية الحمام وبكيتُ فرحاً.. وتخيلتُ مئات الطرق لأخبره: علبة هدايا، حذاء صغير، أو عشاء هادئ.. ثم اخترتُ لندن ليكون الخبر مفاجأة في عيد ميلاده: «عيد ميلاد سعيد يا أبي».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *