سافرت الى لندن – محمد نور

طوال عمر لم أتدخل في الإدارة لثقتي به، لكنني اكتشفتُ تلك الليلة أنه كان يدفع تكاليف الشقق، والرحلات، الهدايا، من أموال الشركة تحت مسمى مصاريف تشغيلية!

 

ابتسمتُ لأول مرة.. ليس فرحاً، بل لأن فيصل ارتكب الخطأ الوحيد الذي لا يمكن إصلاحه بالدموع.

خيانتي كانت جرحاً شخصياً، أما اختلاس أموال الشركة للإنفاق على عشيقته فكان أمراً مختلفاً تماماً.

 

في الحادية عشرة، اتصلتُ بالمحامي «سليمان»، محامي أبي القديم وعضو مجلس الإدارة:

— عمي سليمان.. أسفة لاتصالي في هذا الوقت المتأخر.

— «ريم»؟ هل حدث شيء؟

— أريدك أن تفحص بعض المستندات.. الأمر عاجل جداً، وأريد ألا يعلم فيصل بشيء.

سكت قليلاً ثم قال: — أرسليها فوراً.

 

عاد فيصل في الثانية وسبع وأربعين دقيقة صباحاً.

كنتُ مستلقية على السرير دون نوم.

سمعتُ صوت دخوله ببطء، استحمامه، وتبديل ثيابه، ثم وضع هاتفه مقلوباً على الطاولة.

استلقى بجانبي ولَفّ ذراعه حول خصري.. لمسة كانت تعني لي الأمان لطوال ثلاثين عاماً، لكنها أورثتني الغثيان هذه الليلة.

 

همس: — هل أنتِ مستيقظة؟

— نعم.

— أنا أسف.

— على ماذا؟

توتر جسده للحظة ثم استرخى: — لأنني تركتكِ وحدكِ في يوم ميلادي.

 

كدتُ أعجب بقدرته على الارتجال!

سألتُه: — كيف كان العشاء؟

— جيداً.

— مع من كنت؟

تردد لبرهة: — مع المدير المالي وعميلين.

 

كنتُ أعلم كم هو كاذب.. فقد رأيتُ للتو صورة نشرتها مريم على حسابها الخاص: طاولة بجوار النافذة، كأسان، وشموع، وفي انعكاس الزجاج يظهر ظل فيصل.

وكانت قد كتبت تحتها: «ثمانية أعياد ميلاد سرقناها من الزمن.. ولا تزال تنظر إليّ بالعينين ذاتهما».

 

ثمانية أعياد!

الليلة الأولى كانت ليلة زفافنا.. وأدركتُ أخيراً أن تلك الليلة لم تكن بالنسبة لمريم خطأً، بل كانت ذكرى سنوية لتأسيس علافتهما!

 

— سعيد لأجلك.. قلتُها وأنا أغلق عيني.

قبلني على كتفي وقال: — غداً سيكون يومنا.

همستُ في سري: «لم يعد هناك يوم لنا».

 

في صباح اليوم التالي، استيقظ بمزاج جيد، أعد القهوة والمحمصات، وشغل أغنيتي المفضلة.. الرجل الذي كان يخونني منذ ست سنوات كان يعرف بالظبط كيف أحب قهوتي: ملعقتان من الحليب دون سكر!

هذه التفاصيل هي ما يربك المرأة ويجعلها تظن: «إذا كان يتذكر هذا فهو يحبني».. لكن الحب لا يُقاس بتذكر تفاصيل القهوة، بل بما تفعله حين لا تكون المرأة ناظرة إليك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *