سافرت الى لندن – محمد نور

 

بدأت مريم تبكي: — قل لي إنك لم تكن تحبها! ألم تقل لي إنك تنتظر سماح مجلس الإدارة بفك الأسهم؟

نظرتُ إلى فيصل.. كانت هذه معلومة جديدة!

صرخ بها: — ارحلي من هنا!

 

ضحكت مريم بكسرة ونظرت إليّ دون غرور هذه المرة، بل بإهانة شديدة: — طلب مني أن أنتظره ثماني سنوات!

أجبتها: — وأنتِ قررتِ الانتظار.. لا تتظاهري بأنكِ أفضل مني، لقد خنتِ امرأة أخرى.. ولكن هناك فرق بين من يخطئ مرة، ومن يبني حياته على أنقاض حياة غيره.

 

قالت بصوت مرتجف: — هو من اختارني!

قلتُ وأنا أنظر إلى فيصل: — لا.. فيصل اختار نفسه فقط. أعطاكِ أنتِ الوعود، وأعطاني أنا الأكاذيب.

ثم دخلتُ المنزل وتركتُهما يحلان الخراب الذي صنعاه ب أيديهما.. دون وجودي.

 

انتهى التحقيق المالي بعد شهرين.. تجاوزت المبالغ المختلَسة رقماً لم أكن أتخيله.

أعاد فيصل الأموال لتجنب السجن والمحاكمة، واستقال رسمياً.. ودون توقعات أحد، وافقتُ على تعييني في مجلس الإدارة، ليس انتقاماً، بل لأنني فهمتُ أخيراً درس أبي: «لا تسلمي حياتكِ بالكامل لرجل وتسمي ذلك ثقة.. إبقي جزءاً لكِ، استقلالكِ، ورايكِ، وصوتكِ».

 

كان الطلاق مريراً.. قاتل فيصل حتى اللحظة الأخيرة لأجل الصلح، وأعتقد أنه فهم أخيراً ما خسره.. لكن الفهم المتأخر لا يصلح الزجاج المكسور.

سألني في إحدى الجلسات: — ألم تسامحيني؟

قلتُ له: — سامحتكِ مرة من قبل.. وربما أسامحك مجدداً يوماً ما، لكن المسامحة لا تعني العودة. إحترام الذات الذي دهسته لن يبني زواجاً من جديد.

 

ولدتُ ابني في مارس.. سميته «نوح».

حين وضعوه على صدري بكيتُ بحرارة.. ليس حزناً بل راحة.

كان فيصل ينتظر في الخارج بعد أن اتفقنا على دخوله بعد الولادة.

حين دخل، كان رجلاً آخر: أنحل، وأكثر صمتاً.

اقترب من المهد، نظر إلى نوح، وبكى كالأطفال.. مد إصبعه فقبض عليه نوح الصغير.. همس: — أهلاً بك يا بني.. أنا أبوك.

 

في تلك اللحظة، كنتُ جازمة بأنني لن أستخدم ابني لأعاقب أباه.. فيصل كان زوجاً سيئاً، لكن هذا لا يعطيني الحق في حرمانه من أن يكون أباً جيداً.. وكلا الأمرين أمكنهما التعايش.

 

بعد عام، عدتُ إلى لندن.. ليس لأجل فيصل، بل لأجل العمل، حيث افتتحت الشركة فرعاً جديداً.

مشيتُ تحت المطر وقرَب المتجر الذي غير حياتي في المطار.. فكرتُ في المرأة التي جاءت هنا قبل سنتين بحقيبة فيها صورة سونار ومشاعر فياضة.. شعرتُ بالطف تجاهها، فقد أحبت بصدق، ولم يكن حبها خطأً، بل كان الخطأ أن تظن أن الحب يعني تحمل كل شيء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *