زواج سري – محمد نور
وصلت المنزل بعد السابعة، ولم يكن أمير قد عاد بعد. استحممت وسخنت الطعام، وفي الثامنة والنصف سمعت حركة المفتاح. دخل بملامح يكسوها الإرهاق:
— “هل كانت العملية صعبة؟”
— “معقدة، لكنها نجحت الحمد لله.”
استرخى كتفاه قليلاً حين رأى اهتمامي. قدمت له الطعام:
— “تناول عشاءك أولاً.”
جلست أمامه، وبعد دقائق من الصمت تذكرت وعده:
— “قلت إننا سنتحدث.”
توقفت يده عن الأكل:
— “أعلم.”
— “أريد أن أسألك سؤالاً قبل أي شيء: متى رأيتني للمرة الأولى؟”
كان التغير صغيراً جداً، لكنني لمحت عروق أصابعه وهي تتشنج:
— “من أخبركِ أن تسألي هذا السؤال؟”
— “الدكتور عبد الرحمن.”
أغمض أمير عينيه بأسى:
— “بالتأكيد.. عبد الرحمن يتكلم كثيراً!”
— “إذن هناك سر!”
ترك أدوات الطعام وقال بشجن:
— “قبل أربع سنوات.”
تجمدت:
— “ماذا؟!”
— “المرة الأولى التي رأيتكِ فيها كانت قبل أربع سنوات كاملة.”
— “هذا مستحيل!”
— “كنتِ تشاركين في مؤتمر طبي صيفي في القاهرة.”
بدأت ذكرياتي تتحرك؛ كنت حينها طالبة وألقيت بحثاً بسيطاً:
— “نعم، قدمت ورقة بحثية عن التعافي العصبي.”
— “وكنتُ أنا أحد المحاضرين الضيوف هناك.”
نظرت إليه بصدمة، فتذكرت طبيباً شاباً طويلاً كان يجيب على الأسئلة في نهاية المؤتمر:
— “لكننا لم نتحدث!”
— “صحيح، لم نتحدث.”
قام أمير وذهب إلى مكتبه، ثم عاد يحمل ملفاً قديماً ووضعه أمامي. في الداخل، كانت هناك أوراق علمية، وفي منتصفها… ورقة مطوية بخط اليد!
فتحتها، فإذا هي ملخص عرضي التقديمي في ذلك المؤتمر، وفي الزاوية كتب اسمي بخطه: سارة.
— “أجلبت هذه الورقة وحفظتها أربع سنوات؟!”
— “نعم.”
تأتأت من الصدمة، فنظر أمير للورقة وقال:
— “في ذلك اليوم، طرحتِ سؤالاً قاطعاً أثناء محاطرتي.”
تذكرت رويداً رويداً:
— “عن التعافي المعرفي بعد الجراحة؟”
أومأ برأسه:
— “ولقد ناقشتِني واعترضتِ على كلامي أمام مائتي طبيب ورئيس قسم!”
غطيت فمي بيدي:
— “يا إلهي!”
— “وكان الحق معكِ.”
وللمرة الأولى، ابتسم أمير ابتسامة صافية وصغيرة، لكنها غيرت ملامح وجهه البارد تماماً!
— “إذن… تذكرتني؟”
— “نعم.”
— “أربع سنوات؟ ولم تحاول الاتصال بي؟”
اختفت ابتسامته وقال بجدية:
— “كنتِ في العشرين من عمركِ.”
فهمت المغزى من نبرته:
— “ظننت أنني صغيرة جداً؟”
— “كنتِ كذلك بالفعل.. فارق الثماني سنوات بين ابن العشرين وابن الثمانية والعشرين كان يبدو لي كبيراً جداً.”