عش الغرام – محمد نور
يومها ظننتُ أنها ربما تعود لابن أحد زملائه، فطرق يتعامل مع عشرات الموظفين ولديه أصدقاء يملكون أطفالاً صغاراً، ولم يكن الأمر مستحيلاً. لكن بعد اكتشاف “حدائق الياسمين”، أخذت تلك الصورة معنىً مختلفاً كلياً يثير القشعريرة.
وضعت مريم يدها على فمها وشهقت:
— “يا إلهي!”
— “هل تعرفين هذا الطفل؟”
نفت برأسها فوراً. تأملتها بدقة، وكانت ملامحها تؤكد أن هلعها صادق هذه المرة:
— “لم أره في حياتي مطلقاً!”
— “ولا أنا أيضاً..” أعدتُ الصورة إلى الحقيبة وأضفت: “ولكني سأعرف من يكون بالتأكيد.”
تستغرق الطريق إلى “حدائق الياسمين” نحو ثلاثين دقيقة من منزلنا. إنه أحد تلك المجمعات السكنية الحديثة المخصصة للطبقة العالية: حدائق غنّاء وم تشوبة بالكمال، مسبح دافئ، صالة رياضية خاصة، كاميرات مراقبة، وردهة استقبال يبدو فيها كل شيء ناصعاً ونظيفاً بدرجة لا تسمح بتخيل وجود أسرار مظلمة خلفها.
أصرّت مريم على مرافقتي، فوافقتُ بشرط واحد:
— “لن تتصلي بطارق.”
— “عديني.”
— “ولا بوالديكِ.”
— “حسناً، أعدك.”
— “وإذا وجدنا ما لا يسرّك، لن تطلبي مني مسامحته لمجرد أنه أخوكِ.”
خفضت مريم نظرتها وقالت بصوت خافت:
— “لا أستطيع أن أعدك بما سأشعر به، لكني أعدك أنني لن أكذب عليكِ أبداً.”
كان ذلك كافياً بالنسبة لي.
في الاستقبال، ادّعيتُ أنني أحاول تسليم وثائق مهمة لمالك الشقة 1502 وأحتاج للتأكد من اسمه، لكن الموظفة اعتذرت بتهذيب مبديةً صعوبة إعطاء معلومات خاصة عن السكنى. كان هذا متوقعاً، لكن مريم لمحت شيئاً آخر؛ لوحة إعلانات خشبية بجوار المصعد تضم نشاطات المجمع: دروس يوغا، مفقودات، وحفلة أطفال أُقيمت قبل أسبوعين مرفقة ببعض الصور.
تجمّدت مريم في مكانها وهي تهمس:
— “سلمى…”
تتبّعتُ اتجاه نظرها، وهناك كان الطفل الموجود في الصورة بنفسه: “يوسف”. كان يرتدي قميصاً أزرق ويمسك ببالون، وبجواره امرأة ذات شعر بني في مثل عمري تقريباً، وخلفهما مباشرة… طارق! زوجي!
كان يضع إحدى يديه على كتف المرأة، والأخرى تحيط بخصر الطفل. لم يبدوا إطلاقاً كنزوة عابرة أو علاقة سرية مجتزأة، بل كعائلة متكاملة ومستقرة.
شعرتُ بالأرض تميد تحت قدميّ. أجهشت مريم بالبكاء:
— “مستحيل… هذا لا يعقل!”
أما أنا فلم أبكِ، ليس بعد. اقتربتُ من اللوحة، وقرأتُ النص المصاحب للصورة: