الملياردير الذي استيقظ ليلًا... ورأى خطيبته تجر مدبرة المنزل فاقدة الوعي بعد منتصف الليل بأربع دقائق، استيقظ كريم الشامي على صوت تحطم شيء ضخم في الجهة الأخرى من القصر. لم يكن صوتًا عابرًا. كان صوت ارتطام عنيف، تبعه صمت قصير، ثم صرخة حادة اخترقت سكون الليل. فتح كريم عينيه وبقي لثوانٍ مستلقيًا في سريره، يحدق في السقف محاولًا استيعاب ما سمعه. كان قصر عائلة الشامي في أحد أرقى أحياء الرياض، مبنى هائلًا يضم ثمانيًا وثلاثين غرفة، وسلّمين من الرخام، وممرات طويلة، وجدرانًا سميكة صُممت بحيث لا يكاد يصل صوت من غرفة إلى أخرى. كان والده قد بناه قبل سنوات ليكون رمزًا لقوة عائلة الشامي وثروتها. ثروة تقدر بمئات الملايين من الريالات. لكن في تلك الليلة، لم يكن المال قادرًا على تفسير الصوت الذي أيقظ كريم. نهض من سريره، ارتدى روبه بسرعة، ثم فتح باب غرفة نومه. خرج إلى الممر. وفي اللحظة التي نظر فيها إلى نهايته، تجمد مكانه. كانت المرآة العتيقة التي ورثتها العائلة عن جدته قد تحطمت تمامًا. تناثرت شظاياها فوق الأرضية الخشبية تحت ضوء ثريا كريستالية تهتز أضواؤها. لكن الزجاج المحطم لم يكن أكثر ما أرعبه. كانت امرأة مستلقية وسط الشظايا. سعاد منصور، مدبرة منزل العائلة. كانت ترتدي زيها الأزرق، وقد غطاه الدم. كان هناك جرح عميق في جبهتها، كما غطت ذراعيها جروح عديدة. وفوق ذلك كله، كانت فاقدة للوعي. لكن كريم لم يستطع أن يرفع عينيه عن الشخص الذي كان يسحبها من معصميها. كانت دانا السعدي، خطيبته. كانت لا تزال ترتدي الفستان الأسود الفاخر الذي حضرت به في وقت سابق من تلك الليلة حفلًا خيريًا. كانت تمسك بمعصمي سعاد وتسحب جسدها فوق الأرض، غير مكترثة بالزجاج المتناثر حولها. قال كريم بصدمة: — ماذا تفعلين بحق السماء؟ رفعت دانا رأسها. وفي تلك اللحظة، رأى كريم شيئًا لم يره في عينيها من قبل. برودة مخيفة. برودة لم تستمر سوى لحظة واحدة. ثم عادت إلى وجهها ابتسامتها الساحرة التي أحبها قبل عامين. وقالت بهدوء: — لا تقلق يا حبيبي. لقد توليت الأمر كله. اقترب كريم منها. — توليتِ ماذا؟ أجابت بسرعة: — سعاد كانت ثملة تمامًا. حاولت الاعتداء عليّ، ثم فقدت توازنها وارتطمت بالمرآة. كنت أحاول فقط نقلها إلى غرفة الضيوف حتى لا تتحول المسألة إلى فضيحة أمام الصحافة. نظر كريم إلى سعاد. ثم إلى الزجاج. ثم عاد بنظره إلى دانا. كان هناك شيء خاطئ. شيء لا يستطيع تجاهله. صحيح أنه لم يكن يعرف الكثير عن سعاد رغم عملها في منزل العائلة منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، لكنه كان يعرف أمرًا واحدًا عنها. سعاد لم تكن تشرب الكحول. أبدًا. حتى في حفلات الموظفين والمناسبات العائلية، كانت ترفض أي مشروب كحولي. ثم إن هناك أمرًا آخر أكثر وضوحًا. لا أحد يحاول إنقاذ امرأة فاقدة الوعي بسحبها فوق شظايا الزجاج. جثا كريم بجانب سعاد. كانت تتنفس بصعوبة. مد يده ووضعها على كتفها. وفي اللحظة نفسها، فتحت سعاد عينيها قليلًا. نظرت إليه بنظرة يملؤها اليأس. ثم همست: — إنه يعرف... آدم. تجمد وجه دانا. اختفت ابتسامتها تمامًا. وقالت بسرعة: — إنها تهذي. حاولت سعاد أن تقول شيئًا آخر، لكن عينيها أُغلقتا من جديد. وقف كريم. وقال: — اتصلي بالإسعاف. فورًا. حاولت دانا اعتراضه: — لا داعي لكل هذا. يكفي أن نتصل بطبيب العائلة. إذا جاءت سيارة إسعاف إلى هنا، فستعرف الصحافة بالأمر. استدار كريم نحوها. — قلت اتصلي بالإسعاف. — كريم، فكر قليلًا... صرخ: — اتصلي بالإسعاف! الآن! تراجعت دانا خطوة. ولأول مرة منذ عرفها كريم، رأى الخوف الحقيقي في عينيها. --- ذهب كريم مع سعاد إلى المستشفى. وظل إلى جوارها حتى ساعات الفجر، وما زال يرتدي ملابس النوم التي خرج بها من القصر. جلس في غرفة الانتظار، لكنه لم يستطع أن يتوقف عن التفكير في الكلمة التي قالتها سعاد قبل أن تفقد وعيها. آدم. من يكون آدم؟ ولماذا بدا وجه دانا وكأنها سمعت اسم شخص كان يفترض ألا يذكره أحد؟ ولماذا أصابها الخوف فورًا؟ في حوالي الثانية والنصف بعد منتصف الليل، خرج الطبيب من غرفة الطوارئ وتوجه نحو كريم. وقف كريم بسرعة. — كيف حالها؟ قال الطبيب: — أصيبت بارتجاج في الدماغ، وهناك كسر في إصبعين من أصابعها، إضافة إلى عدة جروح عميقة. صمت لحظة. ثم قال: — لكنها ستعيش. تنفس كريم بارتياح. وبعد فترة، سُمح له بالدخول إليها. كانت سعاد قد استعادت وعيها. كان رأسها ملفوفًا بضمادة بيضاء سميكة، ووجهها شاحبًا من الألم والإرهاق. اقترب كريم من سريرها وجلس بجانبها. نظر إليها طويلًا. ثم قال: — سعاد... أريد أن أعرف شيئًا واحدًا. رفعت عينيها نحوه. قال كريم: — من هو آدم؟ وظلت سعاد صامتة للحظات. ثم بدأت الحكاية التي ستقلب حياة كريم وعائلته بأكملها رأسًا على عقب. الجزء الثاني وظلت سعاد صامتة للحظات، وكأنها تجمع شجاعتها لتقول شيئًا كانت تخشى أن تقوله منذ سنوات. ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت: — آدم ابني. حدق كريم فيها غير مصدق. — ابنك؟ أومأت سعاد ببطء. — عمره سبع سنوات. شعر كريم بوخزة من الخجل. ثلاث سنوات كاملة عملت فيها سعاد داخل منزله، وكانت تعرف عنه أشياء كثيرة. كانت تعرف كيف يشرب قهوته في الصباح، وتحفظ مواعيد عمله، وتعرف المناسبات المهمة لعائلته، بل وكانت أحيانًا تذكره بأشياء نسيها هو نفسه. ومع ذلك، لم يكن يعرف حتى أنها أم. سألها: — أين هو الآن؟ أجابت بصوت ضعيف: — عند جارتي في أحد الأحياء القديمة بالرياض. ثم نظرت إليه بقلق. — لكن يجب أن نأخذه من هناك قبل أن تجده دانا. اقترب كريم بكرسيه من السرير. — ماذا تقصدين؟ لماذا قد تبحث دانا عن طفل في السابعة من عمره؟ أغمضت سعاد عينيها. ثم قالت: — لأن آدم ليس مجرد طفل. سكتت للحظة. — إنه ابن سامر. تجمد كريم. شعر وكأن شيئًا باردًا مر في جسده. — سامر؟ رفعت سعاد عينيها إليه. — نعم. سامر. شقيقه الأصغر. الرجل الذي اختفى قبل ست سنوات، ولم يعثر أحد على جثته. قبل ست سنوات، خرج سامر في رحلة بحرية، ثم لم يعد. بعد أيام، عثرت السلطات على قاربه محطمًا بالقرب من الساحل، لكن لم يتم العثور على جثته. بمرور الوقت، اقتنعت العائلة بأنه مات غرقًا. وكانت والدتهما أكثر من دفع ثمن تلك المأساة. تحطمت نفسيًا بعد اختفاء ابنها، وبعد عامين ماتت وهي لا تزال تعتقد أن سامر غرق في البحر. قال كريم بصوت خافت: — سامر مات. هزت سعاد رأسها. — لا. نظر إليها وكأنه ينتظر منها أن تتراجع عن كلامها. لكنها قالت: — سامر لم يمت. ساد الصمت في الغرفة. ثم أضافت: — لقد دبّر موته بنفسه. شعر كريم أن العالم من حوله توقف. --- أخبرته سعاد أنها التقت بسامر بعد عامين تقريبًا من اختفائه. في ذلك الوقت، كانت تعمل في وردية ليلية داخل مقهى صغير في جدة. كان الرجل الذي دخل إلى حياتها يستخدم اسمًا مختلفًا. قال لها إن اسمه مروان. ولأشهر طويلة، لم يخبرها بحقيقته. لم تكن تعرف أنه سامر الشامي. لم تكن تعرف أنه الرجل الذي تبحث عنه الشرطة وعائلته. ولم تكن تعرف سبب اختفائه. لكن مع مرور الوقت، بدأت تلاحظ أنه يعيش بخوف دائم. كان يغير مكان إقامته باستمرار. لا يستخدم هاتفًا واحدًا لفترة طويلة. وكان يراقب الشارع قبل أن يدخل أي مكان. ثم وقع الاثنان في الحب. وبعد فترة، أخبرها بالحقيقة. كان سامر قد دخل في ديون ضخمة بعد أن استثمر أموالًا في شركة اعتقد أنها تعمل بصورة قانونية. لكنه اكتشف لاحقًا أن الشركة لم تكن سوى واجهة لعمليات مالية غير قانونية وغسل أموال. وعندما أدرك الحقيقة وحاول الابتعاد، بدأ الرجال الذين يقفون خلف تلك العمليات بتهديده. لم يكن التهديد مجرد كلمات. كانوا يعرفون عائلته. ويعرفون تحركاته. وكان سامر مقتنعًا بأن بقاءه بينهم سيعرض الجميع للخطر. لذلك قرر أن يفعل شيئًا لم يكن يتخيل يومًا أنه سيضطر إليه. دبّر حادثًا يوحي بموته. ثم اختفى. وبعد ذلك بوقت، التقى بسعاد. تعلقا ببعضهما. ثم وُلد آدم. لأول مرة منذ سنوات، شعر سامر أن لديه شيئًا يستحق أن يعيش من أجله. لكن قبل ثمانية أشهر، اكتشف أن الماضي عاد للبحث عنه. قالت سعاد: — عرف سامر أن شخصًا ما بدأ يسأل عنه من جديد. سأل كريم: — وماذا فعل؟ — رحل. — تركك؟ خفضت سعاد عينيها. — قال إنه يفعل ذلك لحمايتي أنا وآدم. صمتت قليلًا. — وعدني بأنه سيعود. ابتلع كريم ريقه. — لكنه لم يعد. هزت رأسها. --- ظل كريم صامتًا، ثم سألها: — لماذا عملتِ في منزلي؟ أجابت: — كان عليّ أن أعيل آدم. ثم أضافت: — وكنت أعتقد أن بقائي قريبًا من عائلة سامر ربما يساعدني يومًا في العثور على شيء يقودني إليه. لم آتِ إلى منزلك من أجل المال. نظر كريم إليها طويلًا. ثم تذكر كل المرات التي مرت فيها سعاد أمامه في القصر دون أن يسألها يومًا عن حياتها. كان يراها كموظفة فقط. والآن اكتشف أن المرأة التي ظلت تخدم عائلته لسنوات كانت تحمل سرًا يمكن أن يقلب حياته كلها. لكن شيئًا آخر كان يزعجه أكثر. قال: — وما علاقة دانا بكل هذا؟ شدت سعاد الملاءة بين أصابعها. — كل شيء. تغير وجه كريم. قالت: — قبل ثلاثة أسابيع، وجدت بعض مستندات التحويلات المالية داخل غرفة المكتب. — ماذا كانت تحتوي؟ — أموالًا كانت دانا ترسلها إلى رجال. توقفت. — الرجال أنفسهم الذين هددوا سامر في الماضي. شعر كريم ببرودة في أطرافه. — هل أنت متأكدة؟ — في البداية لم أكن متأكدة مما يعنيه ذلك. ظننت ربما أنها تحاول مساعدته. ثم نظرت إليه مباشرة. — لكنني سمعت مكالمة هاتفية لها. — ماذا قالت؟ أجابت: — قالت لهم إن عليهم العثور على سامر قبل موعد زفافكما. ظل كريم صامتًا. كان هناك شيء آخر بدأ يتضح أمامه. شيء يتعلق بوصية والده. كان والده قد وضع شرطًا واضحًا في وصيته: ملكية مجموعة الشامي القابضة ستنتقل مع مرور الوقت إلى ابنيه، كريم وسامر. أما إذا لم يعد سامر خلال سبع سنوات من اختفائه، فسيُعلن رسميًا متوفى. وعندها تنتقل السيطرة الكاملة على المجموعة إلى كريم. لم يبقَ على انتهاء المهلة سوى أربعة أشهر. وهنا فهم كريم شيئًا لم ينتبه إليه من قبل. دانا كانت قد أقنعته بتوقيع اتفاقية زواج تمنحها حصة وحقوق تصويت في عدد من الشركات العائلية. لكن إذا عاد سامر قبل الزواج، فإن الاتفاقية بأكملها ستحتاج إلى إعادة تفاوض. قالت سعاد: — دانا لم تكن تريد العثور على سامر لكي تعيده إلى عائلته. توقف كريم عن التنفس للحظة. ثم قالت: — كانت تريد التأكد من أنه لن يعود أبدًا. --- تذكّر كريم نظرة دانا عندما نطقت سعاد اسم آدم. ثم تذكر اعتراضها على استدعاء الإسعاف. بدأت الصورة تتشكل أمامه. لكن سعاد لم تنتهِ بعد. قالت: — في تلك الليلة واجهتها بما وجدته. — وماذا حدث؟ — أخبرتها أنني سأعطي الأدلة للسلطات. صمتت للحظة. — حاولت انتزاع هاتفي مني. ثم بدأ الشجار. — دفعتني إلى الخلف، فسقطت وارتطمت بالمرآة. لم يستطع كريم الكلام. أكملت: — وعندما فقدت الوعي، حاولت سحبي بعيدًا عن المكان قبل أن يكتشف أحد ما حدث. ثم نظرت إليه. — لكن هناك شيئًا آخر يجب أن تعرفه. — ماذا؟ قالت: — دانا كانت تعرف سامر قبل أن تتعرف عليك بوقت طويل. شعر كريم بقشعريرة تسري في ظهره. أخرجت سعاد من حقيبتها صورة قديمة كانت قد احتفظت بها. كانت الصورة تُظهر دانا وهي تقف إلى جانب عدد من رجال الأعمال. حدق كريم في الصورة. ثم اتسعت عيناه. كان يعرف بعض هؤلاء الرجال. قالت سعاد: — هؤلاء هم الأشخاص الذين أسسوا الشركة الوهمية التي استثمر سامر أمواله فيها. ظل كريم يحدق في الصورة. — كيف؟ قالت: — دانا كانت تعمل مستشارة مالية منذ سنوات. ثم كشفت له الحقيقة التي جعلت كل شيء يبدو أكثر خطورة. — كانت تستخدم توقيعات سامر للحصول على قروض مزورة وإتمام عمليات مالية احتيالية. لم تكن دانا مجرد امرأة طموحة وجدت فرصة مناسبة. لقد كانت جزءًا من العملية منذ البداية. وكان سامر، دون أن يعرف، أحد ضحاياها. --- خرج كريم من المستشفى وهو يحمل الأدلة التي سلمتها له سعاد. ولم يضيع دقيقة واحدة. اتصل بمحاميه. ثم تواصل مع أحد كبار المحققين في النيابة. وبعد ذلك أرسل اثنين من رجال الأمن الذين يثق بهم لحماية آدم. كان يعرف أن الطفل أصبح الآن هدفًا محتملًا. وقبل شروق الشمس بقليل، عاد إلى القصر. كانت دانا لا تزال في غرفة المعيشة. كانت ترتدي الفستان الأسود نفسه. وبجانبها كأس لم تشرب منه. رفعت رأسها عندما دخل. وقالت بقلق مصطنع: — كيف حال سعاد؟ لم يجبها فورًا. وضع كريم هاتفه على الطاولة. وفي اللحظة التي انشغلت فيها بالنظر إليه، شغّل تسجيل الصوت. ثم قال: — أنا أعرف عن سامر. تجمدت دانا. — ماذا؟ — أعرف عن التحويلات. صمت. — وأعرف عن الشركة الوهمية. تغيرت ملامحها. قالت بحدة: — هل ستصدق أكاذيب مدبرة منزل؟ قال كريم: — لدي الصورة. ثم أضاف: — ولدي المستندات البنكية. تغير وجه دانا. حاولت الاقتراب منه. — كريم، أنت لا تفهم. — إذن اشرحي لي. قالت بسرعة: — كنت أفعل ما كان يجب أن أفعله لحماية ما هو ملك لك. نظر إليها كريم ببرود. — كدتِ تقتلين سعاد. — لم أكن أريد قتلها. — ماذا كنت تريدين إذن؟ قالت: — كنت أريد فقط إخافتها. لم يكن من حقها أن تتدخل في أمور لا تخصها. اقترب كريم خطوة. — وماذا عن سامر؟ لم تجب. — هل كنت تريدين إخافته أيضًا؟ ضحكت دانا ضحكة قصيرة مليئة بالمرارة. ثم قالت: — أخوك هو الذي دمر حياته بنفسه. صمتت لحظة. ثم أضافت: — أنا فقط حرصت على أن يبقى ميتًا. شعر كريم بقلبه يهبط في صدره. لكن دانا لم تتوقف. قالت: — لو تزوجنا، فلن يستطيع أحد أن يأخذ مني ما أصبح من حقي. وفي تلك اللحظة، انفتحت أبواب الغرفة. ودخل رجال الشرطة. استدارت دانا وركضت باتجاه السلم. لكنها لم تصل بعيدًا. أمسك بها شرطيان قبل أن تطأ أول درجة. قاومت بعنف. ثم بدأت تهدد كريم. وبعد دقائق، تحول التهديد إلى توسلات. طلبت منه أن يسحب بلاغه. لكنه لم يجب. كانت الأدلة أقوى من أي توسلات. التسجيل الصوتي. التحويلات المالية. الصورة. وشهادة سعاد. كلها بدأت ترسم صورة واضحة عن جرائم الاحتيال وغسل الأموال ومحاولة قتل سعاد. لكن بقي سؤال واحد بلا إجابة. أين سامر؟ --- أثناء تفتيش الأغراض التي حاولت دانا إخراجها من القصر، عثر المحققون على خريطة لمنطقة شمال المملكة. كما وجدوا بيانات مركبة نقل صغيرة، وورقة مكتوبة بخط اليد. لم يكن عليها سوى: «بريدة، الجمعة.» عندما رأى كريم الورقة، فهم فورًا. الرجال الذين استأجرتهم دانا كانوا قد وجدوا سامر. وفي اليوم نفسه، توجه كريم مع المحققين إلى بريدة. كانت عاصفة قوية تضرب المنطقة عندما وصلوا. وعثروا على مركبة النقل متروكة أمام مستودع قديم. دخل رجال الشرطة المبنى بحذر. وفي الداخل، كان رجلان يستجوبان عامل بناء. لكن الرجل لم يكن عامل بناء عاديًا. كان سامر. كان قد أطلق لحيته. وخسر الكثير من وزنه. وكان وجهه يحمل إرهاق رجل قضى سنوات وهو يعيش خائفًا من أن يكون هناك شخص ما يراقبه ويتعقبه. تمكن رجال الشرطة من القبض على الرجلين قبل أن يتمكنا من إيذائه. وعندما رفع سامر عينيه ورأى شقيقه، خفض رأسه. قال: — سامحني. لم يتحرك كريم. أضاف سامر: — لم أعرف كيف أعود. شعر كريم برغبة عارمة في ضربه. كان يريد أن يضربه بسبب السنوات التي عاشتها والدتهما في الحزن. وبسبب الموت الذي عاشته العائلة وهو مختفٍ. وبسبب سعاد. وبسبب الطفل الذي كبر وهو لا يعرف أباه. لكن عندما رأى سامر يرتجف أمامه، أدرك أن شقيقه لم يكن يعيش حياة سهلة. لقد كان يعاقب نفسه طوال السنوات الماضية. اقترب كريم منه. ثم احتضنه. قال: — سعاد أُصيبت. رفع سامر رأسه بسرعة. — ماذا؟ — دانا حاولت قتلها. ثم أضاف كريم: — ولديك ابن عمره سبع سنوات. توقف سامر عن التنفس. — ماذا قلت؟ قال كريم: — ابنك كان طوال هذه السنوات يتساءل من هو والده. انهار سامر. --- عاد الجميع إلى الرياض. لكن سعاد لم تسمح لسامر بالاقتراب من آدم مباشرة. قالت له: — إذا كنت تريد أن تعود إلى حياتنا، فعليك أولًا أن تقول الحقيقة كاملة للمحققين. ثم أضافت: — وعليك أن تخضع للعلاج. لم تكن سعاد تكره سامر. بل على العكس. كانت لا تزال تحبه. لكنها لم تكن مستعدة لأن تسمح له بالعودة فجأة وكأن السنوات الست الماضية لم تحدث. كان عليه أن يواجه ما فعله. أن يتحمل مسؤولية قراراته. وأن يتعلم كيف يكون أبًا من جديد. وافق سامر. وبعد فترة، جاء اليوم الذي التقى فيه آدم بوالده للمرة الأولى. كان اللقاء في حديقة القصر. وقف الطفل ذو الأعوام السبعة أمام رجل غريب جاثٍ على ركبتيه. كان سامر ينظر إليه وعيناه ممتلئتان بالدموع. ظل آدم صامتًا للحظات. ثم سأل: — أنت سامر؟ أجاب الرجل بصوت متهدج: — نعم. — أمي تقول إنك أبي. أغمض سامر عينيه. — نعم يا آدم. أنا أبوك. ابتلع دموعه. ثم قال: — وأنا آسف جدًا لأنني تأخرت كل هذه السنوات قبل أن أعود إليك. ظل الطفل صامتًا. ثم طرح سؤالًا لم يتوقعه سامر. — هل تحب الديناصورات؟ ضحك سامر وسط دموعه. — عندما كنت في عمرك، كنت أحلم بأن أصبح عالم حفريات. فتح آدم ذراعيه. لم يحتج سامر إلى أكثر من ذلك. احتضن ابنه بقوة، وبدأ يبكي على كتفه. ومن شرفة القصر، كانت سعاد تراقبهما. --- لم تتعافَ العائلة بين ليلة وضحاها. كانت هناك سنوات من الغياب والخوف والخذلان لا يمكن محوها بكلمات قليلة. وكان على سامر أن يتحمل تبعات ما حدث، وأن يجيب عن الأسئلة المتعلقة بالجرائم المالية التي تورط فيها دون أن يعرف حقيقتها الكاملة. لكن تعاونه مع المحققين ساعد السلطات في الوصول إلى شبكة إجرامية أكبر بكثير. وبفضل المعلومات التي قدمها، تمكنت الجهات المختصة من تفكيك جزء كبير من تلك الشبكة والقبض على عدد من المتورطين. بعد ذلك، بدأ سامر حياة جديدة. عمل في ترميم وتجديد المنازل القديمة. واصل جلساته العلاجية. وبدأ شيئًا فشيئًا يستعيد علاقته بابنه. أما سعاد، فالتحقت ببرنامج تدريبي في مجال التمريض. ولم تعمل مدبرة منزل مرة أخرى. وأما كريم، فقد تغير هو الآخر. أنشأ مؤسسة لدعم الأمهات العاملات، وخصص منحًا تعليمية لأطفالهن. لكن التغيير الأكبر كان في نظرته إلى الأشخاص الذين يعملون داخل منزله. لأول مرة في حياته، بدأ كريم يتعلم أسماء العاملين واحدًا واحدًا. يسأل عن عائلاتهم. يعرف قصصهم. ويفهم الصعوبات التي يواجهونها. لقد أدرك أن الأشخاص الذين كانوا يعملون في القصر لم يكونوا مجرد أسماء في قائمة رواتب. كان لكل واحد منهم حياة كاملة لا يعرف عنها شيئًا. --- وبعد عام، استبدلوا المرآة المحطمة. لكن كريم لم يسمح بالتخلص من جميع شظاياها. اختار بعض القطع وطلب من فنان أن يحولها إلى لوحة فسيفسائية في حديقة القصر. لم يكن يريد محو ذكرى تلك الليلة. بل أراد أن يتذكر دائمًا أن شيئًا محطمًا يمكن أن يتحول إلى شيء جميل. وبعد فترة، وقف سامر وسعاد بجوار تلك الفسيفساء في حفل زفاف عائلي صغير. كان آدم يحمل خاتمي الزواج. وكان كريم هو من رافق سعاد إلى مكان عقد القران. وقبل أن تبدأ المراسم، رفعت سعاد يدها ولمست الندبة الصغيرة فوق حاجبها. ثم قالت لكريم: — في تلك الليلة، اعتقدت أنني سأخسر كل شيء. نظر كريم إليها. وقال: — بل أنتِ أنقذتِنا جميعًا. وفي ذلك اليوم، امتلأ القصر الذي عاش سنوات طويلة في صمت لم يعرفه من قبل. موسيقى. ضحكات. وأصوات أطفال يركضون في الممرات. نظر كريم إلى عائلته. وفكر في المرأة التي كاد يتزوجها. امرأة كانت تنظر إلى ثروة عائلته وكأنها غنيمة تنتظر من يستولي عليها. ثم تذكر سعاد. المرأة التي عملت في منزله ثلاث سنوات، ولم يكلف نفسه حتى عناء معرفة قصتها. المرأة التي خاطرت بحياتها من أجل إنقاذ عائلته. وعندها فهم كريم درسًا لم يعلمه إياه والده. قيمة المنزل لا تحددها عدد غرفه. ولا السلالم الرخامية. ولا المرايا العتيقة. ولا ملايين الريالات التي تختبئ خلف جدرانه. القيمة الحقيقية لأي منزل يصنعها الأشخاص الذين يعيشون فيه. الأشخاص الذين يملأونه بالحياة. والأشخاص الذين يمتلكون الشجاعة لقول الحقيقة. حتى عندما تكون الحقيقة قادرة على تحطيم كل شيء إلى شظايا. لأن بعض الأشياء، حتى بعد أن تتحطم... يمكن أن تُبنى من جديد بصورة أجمل مما كانت عليه. النهاية خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد