ابني سابني على كرسي في المطار، وسافر هو ومراته بفلوس معاشي اللي كنت محوشها طول عمري. ولما وصلتني رسالته: «بطل تبقى حمل علينا»، ما ترجّيتوش، وما عملتش فضيحة. بس صورت التحويل البنكي. وقبل ما أعرف هعمل إيه، قربت مني ست غنية جدًا وقالت: —اتجوزني… وأنا هرجّع لك بالضبط كل اللي اتاخد منك. وافقت بشرط واحد بس… لكن الصدمة الحقيقية بدأت لما ظهر مستند قديم عليه إمضتي. الجزء الأول —مش هرجعلك يا بابا. شوفلك طريقة تروح بيها دار المسنين لوحدك. إنت عملت اللي عليك وزيادة معانا. قريت رسالة ابني تلات مرات وأنا قاعد على كرسي في مطار القاهرة، وحاطط شنطة سفر شبه فاضية بين رجليّ. اسمي حسن الشاذلي، عندي تمانية وستين سنة، وقضيت واحد وأربعين سنة من عمري شغال في ورشة لإصلاح مواتير العربيات في شبرا. بعد ما مراتي سعاد ماتت بالسرطان، البيت اللي عشنا فيه سنين في مصر الجديدة بقى هادي بشكل يخوف. وعشان كده، لما ابني كريم قالي إنه هو ومراته رانيا عايزين ياخدوني معاهم رحلة لتركيا، صدقته. افتكرت إنه أخيرًا بيحاول يقرب مني تاني. الصبح بدري، كريم ورانيا جم ياخدوني. رانيا بالكاد سلمت عليّ، وكريم ماكانش بيتكلم تقريبًا. حاولت أقنع نفسي إنهم تعبانين من تجهيزات السفر. في المطار كانوا ماشيين قدامي. وصلنا لشباك السفر، وشفت كريم بيسلم الموظف الورق، وبيستلم تذاكر السفر، ويحطهم في جيبه من غير ما يديني حاجة. بصيت له باستغراب. —والتذكرة بتاعتي فين؟ رد بسرعة: —هديها لك حالًا يا بابا. استناني هنا بس. أنا ورانيا عندنا حاجة لازم نخلصها. ومشيوا. عشر دقايق. عشرين. خمسة وأربعين دقيقة. اتصلت بكريم أكتر من مرة. محدش رد. حسيت إن في حاجة غلط. فتحت الشنطة. قميصاتي اختفت. الهدوم اللي كنت مجهزها للسفر مش موجودة. كل اللي لقيته هدوم قديمة، وورقة مطبوعة عليها عنوان دار لرعاية كبار السن في المعادي. وتحت العنوان، بخط رانيا، كان مكتوب: «اسأل عن المديرة. إحنا بلغناها.» في اللحظة دي بالضبط، وصلتني رسالة كريم. «مش هرجعلك يا بابا. شوفلك طريقة تروح بيها دار المسنين لوحدك. إنت عملت اللي عليك وزيادة معانا.» فضلت باصص للشاشة. أصوات المطار حواليا بدأت تبعد، كأني قاعد لوحدي في مكان مافهوش حد. مديت إيدي عشان أشتري زجاجة مية. الكارت اترفض. جربت مرة تانية. برضه اترفض. فتحت تطبيق البنك وأنا مش فاهم. ولما شفت الرصيد، حسيت إن الدم اتسحب من وشي. سبعمية وتمانين ألف جنيه، كل اللي أنا ومراتي سعاد حوشناه عشان أعيش باقي عمري من غير ما أحتاج لحد، اختفوا في نفس الصبح. تفاصيل التحويل كانت مكتوبة: «تذاكر سفر دولية وخدمات سياحية.» وبعدها وصلت رسالة تانية من كريم: «اعتبرهم تمن كل اللي صرفته عليك وأنا صغير.» ماعيطتش. بس سألت نفسي سؤال واحد: إمتى ابني بطل يشوفني أبوه، وبقى يشوفني حساب بنكي؟ وفجأة سمعت خطوات كتير وقفت قدامي. رفعت عيني. أربعة رجالة لابسين بدل كانوا محاوطين ست في أوائل الستينات. كانت شيك جدًا، وشعرها الأبيض مربوط ورا راسها، ومفيش عليها مجوهرات ملفتة. لكن حاجة واحدة شدت نظري. كان في أثر حرق قديم واضح على إيدها الشمال. أنا كنت أعرف العلامة دي. الست بصت لي فترة طويلة. وبعدين قالت: —حضرتك كنت بتشتغل في ورشة في منطقة شبرا الصناعية من حوالي اتنين وتلاتين سنة؟ حسيت حلقي نشف. —أيوه. مدت إيدها اللي عليها أثر الحرق. —أنا اسمي نوال عبدالسلام. وإنت أنقذتني من حريق وأنا كنت محبوسة تحت رف حديد. الذكرى رجعت مرة واحدة. دخان. حديد مولع. وصوت بنت صغيرة بتصرخ وبتقول إنها مش حاسة بإيدها. نوال قعدت جنبي، وبصت للشنطة المفتوحة. —أنا معرفش إيه اللي حصل لك النهارده يا عم حسن… بس أنا عارفة كويس إنت كنت عامل إزاي في الليلة دي. وبعدين قالت جملة خلتني أفتكر إني سمعت غلط. —أنا محتاجة زوج. بصيت لها. —زوج… رسمي. ولازم يكون خلال سبعة وأربعين يوم. فضلت ساكت. هي كملت: —لو وافقت تسمعني، هشرح لك ليه. وكمان أقدر أساعدك ترجع بالضبط كل اللي اتاخد منك. ماكانش معايا تذكرة. ولا فلوس. ولا مكان كنت عايز أرجع له. فقومت، مسكت شنطتي، ومشيت معاها. ووقتها ماكنتش أعرف إن حياتي كلها كانت على وشك تتغير… نوال خدتني على صالة خاصة في المطار. كان مستنينا هناك المحامي شريف منصور. الكلام اللي قاله كان شبه حكاية من الأفلام، لكن المستندات اللي اتحطت قدامي كانت حقيقية. عيلة نوال كانت بتملك مجموعة شركات اسمها مجموعة النور الصناعية، واحدة من أكبر الشركات المصرية في مجال أجهزة الاستشعار والمعدات الصناعية، وقيمتها بمليارات الجنيهات. من عشرات السنين، جد نوال أسس صندوق ائتماني للعيلة، وحط فيه شرط غريب وقديم. لو الوريثة اللي ماسكة السيطرة على الشركة وصلت لسن خمسة وستين سنة وهي مش متجوزة، حقوق التصويت في الشركة تنتقل تلقائيًا لأقرب وريث رجل. والوريث ده كان ابن أخوها، رامي عبدالسلام. المحامي شرح: —رامي بقاله تلات سنين بيشتري ولاءات من أعضاء مجلس الإدارة. لو قدر يجمع الأصوات المطلوبة، هيبقى قادر يسيطر على الشركة بالكامل. بص لي وقال: —أكتر من أربعة آلاف موظف وأسرهم مرتبطين بالشركة دي. وبعدين شرح لي الاتفاق. الزواج هيستمر سنة واحدة. خلال السنة دي هعيش في بيت نوال، وكل احتياجاتي الطبية والمعيشية هتكون مضمونة، وفي نهاية السنة هاخد تعويض مالي كبير. هزيت راسي. —لأ. نوال بصت لي. —لأ؟ —أنا عايز حاجة واحدة بس. سكت شوية وبعدين قلت: —الـسبعمية وتمانين ألف جنيه بتوعي يرجعوا لي. ولا جنيه زيادة. وكمان ابني يتحاسب بالقانون على اللي عمله. نوال بصت لي بجدية مختلفة. وبعدين مدت إيدها. —اتفقنا. في نفس اليوم، اتجوزنا رسميًا قدام المأذون. بالليل، نوال أعلنت جوازنا في حفلة خاصة برجال الأعمال في الزمالك. رامي كان موجود. أول ما سمع اسمي، ابتسامته اختفت. تليفوني اهتز أكتر من مرة. كريم. طلعت بره القاعة ورديت. —أيوه. صوته كان متوتر: —بابا! إنت عملت إيه؟! إنت في الأخبار! بيقولوا إنك اتجوزت نوال عبدالسلام! قلت له: —قبل ما نتكلم عنها، جاوبني على حاجتين. إنت خدت فلوسي؟ سكت. وبعد لحظات قال: —أيوه. —ليه؟ —الشركة بتاعتي كانت هتفلس. غمضت عيني. —والشنطة؟ إنت كنت ناوي فعلًا تاخدني معاك في سفر؟ سكت فترة أطول. وبعدين قال: —رانيا قالت إن دار المسنين هي الحل الأفضل ليك. الكلمة دي وجعتني أكتر من الفلوس. قلت له: —أنا وأمك ساعدناك سنين في قسط بيتك. بعت حاجات من أدواتي عشان أنقذ أول مشروع ليك. وإنت خدتني المطار عشان تسيبني هناك. قفلت المكالمة قبل ما يحاول يبرر. تاني يوم، في مقر مجموعة النور في شارع التسعين، المحامي شريف وراني ملف. شركة كريم كانت مديونة بـ مئة وتمانين مليون جنيه لشركة تمويل اسمها الأفق للتمويل. والشركة دي كانت تحت سيطرة رامي بشكل غير مباشر. فهمت اللعبة. رامي كان ماسك ابني من رقبته بالديون. لكن كان في حاجة ناقصة. بعد أسبوع، نوال حطت قدامي شوية صور اتصوروا بواسطة محققين خاصين. في أول صورة، رانيا كانت قاعدة في مطعم مع رامي. وفي صورة تانية، كانت بتديله فلاشة في جراج. وكان في تحويلات مالية دورية لشركة صغيرة متسجلة باسم شخص تاني. والتحويلات بدأت تقريبًا في نفس الوقت اللي رانيا بدأت فيه علاقتها بكريم. نوال قالت: —رانيا كانت بتسلمه معلومات مالية عن شركة كريم. عشان رامي يعرف بالضبط إمتى يضغط عليه وإزاي. حسيت بالغثيان. —كريم عارف؟ —معندناش دليل إنه كان عارف كل اللي بيحصل. فضلت أبص لصورة تالتة. رانيا كانت بتصافح رامي في مكتب شركة الأفق للتمويل. الصورة متصورة قبل جوازها من كريم بتلات شهور. ساعتها فهمت حاجة أسوأ. رانيا ما دخلتش عيلتنا بالصدفة. رامي هو اللي دخلها حياتنا. لكن المحامي شريف حرك قدامي ملف أقدم من كل الملفات. وقال: —في حاجة تانية لازم تعرفها عن ليلة الحريق. بصيت له. وعرفت إن الحقيقة لسه في أولها. لأن اللي كان جوه الملف ده ممكن يغير مش حياتي بس… ممكن يغير الشخص اللي له الحق الحقيقي في السيطرة على مجموعة النور كلها. بعد شهرين، كريم ورانيا قدموا طلب رسمي لاجتماع مع لجنة الاستثمار في مجموعة النور، عشان يعيدوا التفاوض على الدين اللي قيمته مئة وتمانين مليون جنيه، واللي شركة الأفق للتمويل كانت تقدر تطالبهم بسداده فورًا. هما ماكانوش يعرفوا مين هيكون رئيس الاجتماع. دخلوا قاعة الاجتماعات في الدور الأربعين. وأول ما شافوني قاعد على رأس الترابيزة، كريم وقف مكانه. —بابا… رانيا، على العكس، ما ضيعتش ثانية. عينيها لفت على القاعة، والملفات، والكاميرات، والأبواب. كانت بتحسب كل حاجة. قلت بهدوء: —اقعدوا. وبعدين بصيت لكريم. —قبل ما اللجنة تراجع طلبكم، عايز إجابة على سؤال. —مين قال لك إن لو رميتني في دار مسنين، رامي هيساعدك في ديون شركتك؟ كريم بص لرانيا. هي ردت بسرعة: —الموضوع ده ملوش علاقة بالشركة. بصيت لها. —أنا مسألتكيش. كريم ضغط إيديه في بعض. —رانيا قالت إن عندها معارف في شركة الأفق. وإن لو خلصنا «المشكلة العائلية»، هيدونا وقت نسدد. سألته: —أنا كنت المشكلة العائلية؟ وطّى راسه. —أيوه. في اللحظة دي فهمت إن ابني عمل حاجة بشعة. لكن فهمت كمان إن حد كان شغال عليه من شهور، وبيغذي خوفه وطمعه وأنانيته. رانيا قامت من مكانها. —دي مكيدة. في اللحظة دي دخلت نوال ومعاها المحامي شريف. وحطوا قدامنا الصور، والتحويلات، وسجلات مقابلات رانيا مع رامي. وشفت وش كريم بيتغير مع كل ورقة. قال لها: —إنتِ كنتي بتشتغلي معاه قبل ما تعرفيني؟ رانيا ما ردتش. والسكوت كان أول اعتراف. لكن نوال لسه ما كشفتش أخطر حاجة. طلعت ملف أصفر قديم من أرشيف مجموعة النور. جواه كان في رسم هندسي قديم جدًا، تاريخه من تلاتين سنة. بصيت للرسم. وعرفت خط إيدي فورًا. بعد الحريق اللي أنقذت فيه نوال، كنت رحت أطمن عليها في الفندق الصغير اللي كانت نازلة فيه. كانت إيدها متربطة، وجسمها كله بيرتعش. عشان تنسى اللي حصل، بدأت تحكي لي عن مشكلة في جهاز استشعار للضغط كانت بتحاول تطوره. أنا كنت ميكانيكي. ماكنتش مهندس، لكن كنت فاهم كويس الضغط والحرارة وإزاي القطع بتتصرف لما تتعرض لإجهاد شديد. مسكت قلم ورسمت لها فكرة لتوزيع غرف الضغط حوالين الجزء الدوار في الجهاز. وبعدها نسيت الموضوع تمامًا. لكن نوال ما نسيتوش. التصميم ده دخل بعد كده في أول براءة اختراع أسست مجموعة النور. المحامي شريف أشار لإمضتي. —المستندات الأصلية بتوضح إن أصحاب الفكرة المسجلين في الملحق الفني ليهم حقوق في الاختراع. وإمضتك موجودة هنا يا عم حسن. فضلت ساكت. كمل: —المحامي المؤسس خصص لك خمسة عشر في المية من حقوق الشركة في وقتها. مكتب المحاماة اللي كان ماسك الأوراق قفل من عشرين سنة، والأوراق دي ما دخلتش على النظام الإلكتروني. قلبت في الورق. وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة. —يعني بتقولوا إني شريك في شركة بمليارات من تلاتين سنة… وأنا معرفش؟ شريف رد: —ده اللي المستندات بتقوله. كل حاجة اتغيرت. جوازي من نوال كان بالفعل منع انتقال حقوق التصويت تلقائيًا لرامي. لكن امتلاكي التاريخي لنسبة من الشركة جعل موقف رامي أضعف بكتير. لأول مرة فهمت ليه رامي كان مهتم بيا بالشكل ده. هو ماكانش عايز يعزل نوال بس. كان لازم يتخلص من الراجل اللي إمضته ممكن تفسد خطته كلها. كريم كان شكله كأنه كبر عشر سنين في ساعة. قال: —بابا… أنا ماكنتش أعرف أي حاجة عن ده. بصيت له. —وأنا كمان ماكنتش أعرف. بس إنت كنت عارف إنك بتسيبني. عينيه اتمليت دموع. —أيوه. ماسامحتوش وقتها. وما أهنتهوش. قلت له: —كون إن حد لعب بعقلك، ده ممكن يفسر جزء من قراراتك. لكنه مش بيمسح مسؤوليتك عنها. اللجنة أجلت قرار الدين، وطلبت مراجعة كاملة لحسابات شركته. مفيش إنقاذ عائلي. لو الشركة هتعيش، لازم تثبت إنها قادرة تعيش بأرقامها. رانيا خرجت من الاجتماع وهي عارفة إن سرها انتهى. لكن رامي لسه ما انتهيش. كنا متوقعين إنه يرفع ق.ضية على الشركة. لكن اللي عمله كان أسوأ. بعد أسابيع، أثناء عشا خاص لمجلس الإدارة، مسؤول الأمن دخل وقال إن رانيا دخلت المبنى باستخدام تصريح مؤقت صادر من حساب مساعد رامي. بعد شوية شفت ظلها ورا باب خدمة. كانت بتمد إيدها ناحية علبة صغيرة فيها أدوية نوال المسائية. قومت فورًا. —نوال… ماتاخديش أي حاجة. القاعة كلها سكتت. رامي كان قاعد الناحية التانية من الترابيزة. ما سألش إيه اللي حصل. بص مباشرة ناحية علبة الأدوية. النظرة دي كانت كفاية. الأمن أخد الأدوية وقفّل مخارج القاعة. رانيا اتلاقت في ممر الخدمة، والموبايل في إيدها وكانت بتحاول تعمل مكالمة. بعد عشرين دقيقة، وإحنا مستنيين الشرطة، باب الأوضة الصغيرة اتفتح. كريم دخل من غير الجاكت. وشه كان شاحب ونَفَسه سريع. حط موبايل على الترابيزة. —ده موبايل رانيا. أنا مشيت وراها. وسمعنا التسجيل. كانت رانيا بتتكلم مع شخص في التليفون. وقالت إنها بدلت الكبسولات، وإن الخطة كانت تخلي الموضوع يبان كأني أنا اللي عندي وصول لأدوية نوال. ولو نوال خرجت من الصورة، وأنا اتورط، رامي يقدر يضرب الجواز وملكيتي في الشركة في نفس الوقت. كريم غمض عينيه. وقال بصوت مكسور: —أنا اللي دخلتها عيلتنا… وبسبب إني دافعت عنها، خليتك إنت عدوي. رجعنا قاعة مجلس الإدارة. كان فيه اتنين من رجال الشرطة، ومحامين رامي وصلوا بعدهم بدقايق. التسجيل اتشغل قدام الجميع. رامي حاول يتبرأ منها. —هي تصرفت لوحدها. كريم رد: —هي اتصلت برقمك. أنا شفت اسمك على الشاشة، وسمعت ردك. كانت أول مرة ابني يواجه رامي. مش عشاني بس. لكن لأنه أخيرًا اكتشف قد إيه جوازه وديونه وفشل شركته اتحولوا لأدوات في إيد ناس تانية. الشرطة أخدت الأدوية للتحليل، وطلبت من رامي يروح معاهم للتحقيق. رانيا اتقبض عليها بعد كده، لما التحاليل أثبتت تغيير محتويات الأدوية، وظهرت تحويلات مالية ومستندات تربطها بالمخطط. التحقيق استمر أسابيع. وفي النهاية، رامي دخل في تسوية قضائية مقابل التعاون في التحقيقات، وواجه اتهامات مرتبطة بالاحتيال والتلاعب بمعلومات الشركة وتحويلات مالية سرية. خسر منصبه داخل شركات العيلة. وفشل تمامًا في السيطرة على الصندوق العائلي. أما رانيا، فواجهت اتهامات بالاحتيال والتلاعب بالأدوية، وقررت تتعاون مع التحقيقات مقابل طلب تخفيف العقوبة. كريم ما اتوجهتش له اتهامات في مخطط رامي، لأنه قدم معلومات مهمة، وماكانش فيه دليل إنه كان عارف بالخطة كاملة. لكن اللي عمله في حقي ما اختفاش. اضطر يوقّع اتفاق يرجع لي السبعمية وتمانين ألف جنيه. باع عربيته، ووافق على جدول سداد لمدة تلات سنين. وشركته دخلت في إعادة هيكلة تحت إشراف مالي، من غير إنقاذ سري ولا امتيازات عائلية. لما اتصل بي وقال إنه وقّع، قلت له بس: —ده مهم. ماقلتش له إن كل حاجة بقت كويسة. لأنها ماكانتشي كويسة. في شهر ديسمبر، نوال طلبت مني أروح معاها المطار. ماقالتش لي السبب. لما دخلنا منطقة الانتظار اللي كنت قاعد فيها من شهور، شفت كريم قاعد على واحد من الكراسي المعدنية. أول ما شافني، قام. كان خاسس ووشه مرهق. قال: —بابا… كتبت أربع مرات اللي عايز أقوله لك. كل مرة الكلام كان بيطلع كأنه أعذار. قعدنا. قال: —أنا جبتك هنا عشان أسيبك. كنت عارف إنك جهزت شنطتك على أساس إنك هتسافر معايا. وكنت عارف إن أمي عملت كل اللي تقدر عليه عشان تضمن لك حياة محترمة. وبرغم كده، أخدت فلوسك لأني كنت خايف أخسر شركتي، ولأني أقنعت نفسي إنك في الآخر هتسامحني زي كل مرة. صوته اتكسر. —اللي عملته كان قاسي. وأنا مش بطلب منك تنسى. بس عايز أقول لك إني آسف من غير ما ألوم رانيا أو رامي أو الديون. بص لي. —أنا كنت موجود. وكان ممكن أوقف كل ده. بس ماوقفتوش. دي كانت أول مرة أسمع منه اعتذار حقيقي. طلبت منه يقوم. حطيت إيدي على كتفه. وللحظة، شفت قدامي الطفل الصغير اللي كان بيجري عليّ بركبته المجروحة، وكان مؤمن إن أبوه يقدر يصلح أي حاجة. قلت له: —أنا مسامحك. سكت لحظة. —مش عشان اللي عملته بسيط. أنا مسامحك عشان مش عايز أشيل الغل ده لآخر عمري. وبعدين كملت: —لكن السماح مش معناه إن العواقب تختفي. هترجع الفلوس اللي أخدتها. وهتبني حياتك من جديد من غير ما تستخدم حد. والثقة، لو رجعت، هترجع واحدة واحدة. كريم هز راسه وهو بيعيط. وبعدين حضني. وأنا كمان عيطت. الشرخ بينا كان لسه موجود. بس ما بقاش حائط. بعد ما مشي، فضلت نوال واقفة جنبي وبنبص من ورا الزجاج على الطيارات. جوازنا كان خلص الغرض اللي اتعمل عشانه. الصندوق العائلي اتأمّن. ورامي خرج من الصورة. بصيت لخاتم الجواز في إيدي. —أعتقد جه الوقت ننهي اللي اتفقنا عليه. نوال طلعت ظرف أبيض. افتكرت إن جواه أوراق الطلاق. لكنها بدل كده حطت على الكرسي خاتم دهب بسيط. قالت: —الخاتم ده ملوش علاقة بأي عقد. بصيت لها. —ده بتاعي أنا. ليك. لو حابب تفضل لابسه بعد ما ميبقاش فيه أي التزام بينا. فضلت أبص لها. طول الشهور اللي فاتت كنت شايف فيها سيدة أعمال قوية، تدخل أي مكان وتخلي كل اللي حواليها يحسبوا كلامهم. لكن في اللحظة دي شفت الست الشابة اللي كانت من تلاتين سنة بترتعش من الألم، وإيدها محروقة، بينما واحد غريب عنها كان بيرسم لها فكرة على ورقة في أوضة فندق. مسكت الخاتم. وقلت: —يبقى نفضل متجوزين… بس لسبب جديد. ابتسمت نوال ودموعها في عينيها. في اليوم ده فهمت إن العدل مش هو الانتقام. الانتقام عايز اللي أذاك يتعذب بنفس الطريقة اللي عذّبك بيها. لكن العدل معناه إن كل واحد يتحمل نتيجة أفعاله، حتى لو كان الشخص ده ابنك. وفهمت حاجة تانية عن العيلة. إنك تحب حد، ده مش معناه إنك تسمح له يستخدمك لحد ما يفضيك من كل حاجة. وإنك تسامح، مش معناه إنك تسلمه تاني مفاتيح حياتك. وإن الواحد لما يكبر، مش بيبقى عبء لمجرد إن حد تاني قرر إنه مش عايز يشوف قيمته. قبلها بشهور، كنت وصلت المطار وأنا فاكر إني خسرت كل حاجة. فلوسي. ابني. كرامتي. والمستقبل اللي بنيته أنا وسعاد. لكن الحقيقة كانت مختلفة. الكرسي اللي اتسابيت عليه في المطار كان المكان اللي انتهت فيه كذبة كبيرة. وفي نفس الوقت… كان المكان اللي بدأت فيه حياة ماكنتش أتخيلها أبدًا. ولو في يوم حد من عيلتك خلاك تحس إنك مالكش لازمة، افتكر حاجة واحدة: قيمتك مش بتقل لمجرد إن شخص تاني قرر يبطل يشوفها. وأحيانًا، لما باب يتقفل في وشك بأقسى طريقة… مش لازم تجري ورا اللي قفله. يمكن كل اللي محتاج تعمله… إنك تبص جنبك وتشوف مين الشخص اللي اختار يقعد معاك، في الوقت اللي كل الناس التانية مشيت فيه. النهاية خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد