الجنازة – محمد نور
حتى اشتريتله وصلتين للكهرباء عشان لو واحدة ضاعت منه.
في أول كام أسبوع، كنت بحاول أكلمه فيديو.
كان دايماً “داخل اجتماع” أو “لسه صاحي من النوم”.
بعدها بدأ يتعصب عليا:
“يا نادية! بلاش مكالمات في أي وقت بقى، فرق التوقيت هيموتني!”
وأنا صدقته.
ده أنا الأسبوع اللي فات بس كنت بدافع عنه قدام أمي!
“يا أمي ده لوحده في بلاد غربة، أكيد الموضوع مش سهل عليه برضه.”
مريم مسحت دموعها وقالت:
— الأسبوعين الأخيرين بابا مكنش بيعرف ينام وهو ساند ضهره، كريم كان بيقعد جنبه طول الليل.
جوزي حط إيده بالراحة على دراع مريم وقالها:
— أنتِ تعبتِ أوي يا مريم، ادخلي ارتاحي جوه.
— أنا كويسة.
اتسندت عليه شوية وقالت:
— لولا وجودك جنبي، مكنتش عارفة هتحمل كل ده إزاي.
بعدين بصتلي وقالت:
— مدام نادية، أنتِ كمان لازم تشوفي حياتك وتتجوزي. لما يكون في حياتك حد مهتم بيكي، بيسأل أكلتِ ولا لأ، سقعانة ولا تعبانة… ده بيفرق أوي في الحياة.
هزيت راسي وقلت:
— عندك حق.
ناس جديدة وصلت لتقديم العزا.
جري كريم عشان يستقبلهم.
أخد الفراشة والورود، وشكرهم، ونادى على راجل كبير بـ “يا عمي”، وسمع الراجل وهو بيطبطب على كتفه ويقوله:
— الحاج الله يرحمه مكنش غلطان فيك، أهو قدر يمشي وهو مطمن إن مريم في إيد أمينة.
أنا كنت واقفة على بعد مترين بس.
متفرجة على جوزي وهو عايش دور ابن الأصول والنسيب المثالي لعيلة تانية.
وفجأة افتكرت جنازة أبايا الله يرحمه.
كانت من سنة بالظبط.
ساعتها برضه الناس كانت عمالة تسألني نفس السؤال:
“هو فين كريم؟”
وأنا جاوبت أكتـر من عشر مرات:
“في سفرية شغل وماحقش يرجع.”
وفي الآخر صدقت الكذبة اللي ألفتها بنفسي.
واحدة من الموظفين في دار المناسبات جيت تطلب أهل المتوفى عشان إجراءات أخيرة.
مريم مسكت في كم كريم تلقائياً.
هو عدلها الشال الأسود بحنية وقالها:
— أنا هخلص كل حاجة، أنتِ ارتاحي.
مريم فضلت باصاله وهي بتقول:
— هو أحن بكتير مما يبان عليه… لما بابا حالته ساءت، ساب كل شغله اللي يقدر يسيبه.
سكتت شوية وسألتها:
— وأنتِ طلبتِ منه يرجع لشغله؟
— آه، وزعل مني أوي.
مريم ابتسمت بحزن وقالت:
— قال لي الشغل يتعوض والفلوس تروح وتيجي، لكن القعدة جنب حد كبير في أيامه الأخيرة لو ضاعت مش بترجع أبداً.
حسيت بكسرة وجع في قلبي من جوه.