قولي انك موظفه هنا – محمد نور
حذرني إن الموضوع ممكن يطول.
مش أسابيع.
ممكن سنة أو أكتر.
وافقت رغم كده.
لما محمود عرف إني رحت للمحامي من غيره، اتضايق جدًا.
—أنا بالنسبة لك إيه؟ واحد غريب؟
ما رديتش.
الشهور اللي بعدها كانت مرهقة.
روحت مكاتب الشهر العقاري، والسجل العيني، والجهات المختصة، وسافرت للبلد اللي كانت جدتي عايشة فيها، وبدأت أطلع شهادات وأوراق محدش كان بص عليها من عشرات السنين.
هناك قابلت ست كبيرة اسمها الحاجة فاطمة، كانت معدية التسعين سنة.
أول ما حكيت لها أنا بدور على إيه، مسكت إيدي.
—أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
حكت لي إن من حوالي تلاتين سنة، راجل جاي من القاهرة وصل للبلد وسأل عن جدتي.
جدتي وقتها قفلت الشبابيك.
ورفضت تستقبله.
—كانت خايفة —قالت الحاجة فاطمة—. من وهي صغيرة كانوا معلمينها ما تتكلمش عن العيلة دي.
وقالت لي إن جدتي كانت تقريبًا ما بتخرجش من البيت.
كانت بتروح السوق وترجع على طول.
إيديها كانت متأثرة جدًا من التهاب المفاصل، وكانت بتكتب ببطء شديد، وتمسك القلم بكل إيدها تقريبًا.
المعلومة دي كانت مهمة.
لأن المستند اللي المفروض إنها مضت عليه كان الإمضا فيه سريع، ومتناسق، وفيه خطوط كتير متعرجة.
المحامي استعان بخبير خطوط.
قارن الإمضا دي بالجوابات اللي عندي وبمستندات قديمة جدتي كانت ماضية عليها قدام موظفين رسميين.
والنتيجة كانت واضحة.
الإمضا مش إمضتها.
لما قريت التقرير، حسيت بحزن صعب أوصفه.
مافكرتش في الفلوس.
فكرت في جدتي وهي قاعدة قدام ترابيزة، بتحاول تكتب اسمي في جواب عيد ميلاد.
“سمر، ذاكري كويس. وخدي بالك من نفسك.”
كل حرف كان منفصل عن اللي بعده.
وكل كلمة مكتوبة بمجهود.
طول السنين، حد استخدم إمضا مزورة علشان يحول سكوتها لتنازل هي عمرها ما عملته.
التحقيق كمان وصل للشركة اللي كانت بعتت الجواب.
الشركة نفسها ما بقتش موجودة.
لكن صاحبها القديم كان لسه عايش.
في الأول أنكر إنه يعرف أي حاجة.
وبعد ما المحامي واجهه بالجواب اللي عليه اسم شركته، وصور المستندات، وتقرير خبير الخطوط، اضطر يعترف إن حد كان مجهز الورق عن طريق وسيط.