الجنازة اتمشيت في يوم خريف منور وشمس في مدافن العيلة. العمال والموظفين بتوع المحلات والشركة كلهم جم بلبس الشغل، والممرضات والدكاترة بتوع مركز دار الشفاء جم كلهم والمحامية إجلال رأفت كانت قاعدة في أول صف وعيطت زي العيال الصغيرة. جابر جه هو كمان بس قعد ورا خالص في آخر صف. ليلى لمحته وسط الناس بس ماراحتش ناحيته ومكلمتهوش؛ فيه ناس نقدر نسامحهم ونقفل صفحتهم وإحنا بعاد عنهم، وفيه أبواب بتفضل مقفولة من غير ما يكون ورا القفل ده أي كره أو عداوة.
ولما جه وقت الكلمة، ليلى طلعت وقفت قدام الناس كلها وابتسمت من وسط دموعها وقالت: الحاجة ميرفت عمرها ما كانت ست ساكتة ولا عاجزة.. حتى لما جسمها تعب وأخد منها القدرة على النطق والكلام، كانت دايماً بتلاقي الطريقة اللي تتكلم وتعبر بيها. وتكلمت بالورق والقوانين، وبالشجاعة، وبكلمة واحدة عمرنا ما هننساها غيرت مسار كل حاجة وحمتنا كلنا. ناس كتير كانت فاكرة إنها غلبانة ومغلوبة على أمرها عشان حركتها صعبة، بس الحاجة ميرفت كانت بتسمع وكانت فاكرة وكانت فاهمة كل حاجة تتقال حواليها. ولما جه الوقت المظبوط، مأختارتش الانتقام.. دي اختارت العدل والحق. حمت الشركة والمحلات اللي جوزها بناها من الصفر، وحمت العمال البيوتهم مفتوحة من الشغل ده، وحمتني أنا شخصياً في الوقت اللي مكنتش عارفة إزاي أحمي فيه نفسي من الظلم. والأهم من ده كله.. إنها فكرتني وعلمتني إن العيلة مش دايماً هي البني آدم اللي بيشيل نفس اسم عيلتك في البطاقة.. العيلة ساعات بتبقى هي الإيد اللي بتتمد وتخطف إيدك في الوقت اللي الدنيا كلها بتقولك سيب واخلع واجري.
بعد العزا، المحامية ناولتها جواب أخير الحاجة ميرفت كانت كتبته من شهور فاتوا: بنتي وحبيبتي ليلى، لو كنتِ بتقري الكلام ده، ف أنا دلوقتي رجعت لحبيبي وجوزي أبو جابر. أوعي تضيعي يوم واحد من عمرك وأنتِ بتسألي نفسك ليه جابر معرفش يحبك ويصونك كزوجة.. فيه ناس ربنا بيديهم الحب والحنية تالت ومتلت على طبق دهب، وهم برضه بيختاروا الجوع والنهش في الدنيا. دي المأساة بتاعتهم هم وذنبهم، مش واجبك ولا مسؤوليتك أنتِ تـصلحيهم. عيشي في الشقة دي لو كانت بتجيبلكِ الراحة والأمان.. أو حوليها لحاجة جميلة تدي لحياتكِ معنى وهدف. أنا سيبت الشقة دي ليكي أنتِ بالذات لأنكِ البني آدمة الوحيدة اللي عمركِ ما عاملتيني كأني حتة عفش أو ملكية.. أنتِ عاملتيني كبني آدمة وليا روح وقيمة.