من المطبخ، ليلى كانت سامعة صوت الأغاني الشغالة، ورن الكاسات، وضحكة بوسي العالية والمنشزة وهي مسمعة في الشقة كلها.
قفلت ليلى الباب وراها ومن غير ما تبص وراها حتى.
أبواب عربية الإسعاف قفلت بصوت معدني قوي. جوة العربية، الحاجة ميرفت كانت نايمة على النقالة، جسمها لسه ضعيف، وإيدها الشمال فضلت قفشة في صوابع ليلى بقوة. ليلى كانت قاعدة جمبها، ومعاها شنتة هدوم صغيرة تحت رجليها فيها غيارين اثنين، وأدوية الحاجة ميرفت، وفولدر فيه ورق الإشاعات والتحاليل، وآخر 47 جنيه حيلتها في الدنيا. جابر مكنش حتى كلف نفسه يديرلها تمن التاكسي.
المسعف سألها: إحنا رايحين على فين يا أستاذة؟
ليلى اتسمرت مكانها وماعرفتش ترد. مكنش معاها شقة جاهزة تروح عليها، ولا ليها أهل في القاهرة، ومبقاش ليها جوز، ومفيش أي خطة في دماغها. صاحبتها الوحيدة، ناهد، كانت عايشة في شقة ضيقة يدوبك أوضة وصالة مع عيلين في منطقة عشوائية، وبتشتغل وردية بالليل. ليلى مكنشت تقدر تروح بالست المشلولة دي هناك وتعمل نفسها مش واخدة بالها من الحمل اللي هتشيله لصاحبتها.
وفجأة، صوابع الحاجة ميرفت قرصت على إيدها تاني. ليلى بصت لتحت.. لقيت عيون الست الكبيرة بتتحرك ببطء ناحية الفولدر الطبي اللي محطوط على الكرسي جمبهم. ليلى فهمت الإشارة وفتحت الفولدر، وهي فاكرة إن فيه كارت مستشفى أو ورقة تأمين هي نسيتها. بس ورا تقرير الخروج، لقت جواب أبيض صغير مكتوب عليه اسمها بخط إيد مرعش: ليلى.
جوة الجواب كانت فيه ورقة متطبقة ومكتوب فيها: بنتي الغالية ليلى، لو كنتِ بتقري الكلام ده، فده معناه إن ابني خلاص ورّاكِ وشّه الحقيقي. أوعي توديني مستشفى حكومي إلا لو مبقاش فيه حل تاني. خديني على مركز “دار الشفاء” لرعاية كبار السن في مدينة السادس من أكتوبر. واسألي هناك عن المحامية “إجلال رأفت”. قولي ليها إن التوكيل هيخلص نص الليل. وقولي ليها إني جاهزة. وفي آخر الورقة مكتوب سطر تاني بخط مهزوز بس واضح جداً: إياكِ تأمني لجابر في أي حاجة.
ليلى بصت للحاجة ميرفت، اللي كانت عينيها مليانة دموع بس النظرة اللي فيها كانت ثابتة وقوية.
ليلى وشوشتها: أنتِ كنتِ مرتبة لكل ده؟
الحاجة ميرفت غمشت عينيها مرة واحدة بمعنى: أيوه.
ليلى مالت لقدام واتكلمت بسرعة مع المسعف: غير الوجهة يا كابتن.. اطلع بينا على دار الشفاء في أكتوبر. الست معاها تأمين خاص وتوجيهات قانونية جاهزة.