## القصة الكاملة: طردني أنا وأمه المشلولة في نص الليل.. ولما الصبح طلع، اكتشف إن البيت والشركة والفلوس مابقتش بتاعته! * قدامك ساعة واحدة وتكوني برة البيت ده.. وإذا كنتِ بتحبي أمي أوي كده، خديها في إيدك وإنتِ ماشية! ليلى حست بجردل المية الدافية بيقع من إيدها من الصدمة. كانت واقفة في الطرقة، مريلة المطبخ لسه مبلولة، وريحة صابون المستشفيات والمنظفات لابطة في هدومها. كانت لسه مخلصة تغيير ملايات السرير لحماتها، الحاجة ميرفت، الست الغلبانة اللي جاتلها جلطة من سنة وسابتها مش قادرة تنطق، ونص جسمها تقريبًا مبيتحركش. من ساعتها، ليلى ضحت بكل حاجة عشان تخدمها. صحيح هي في الأصل ممرضة، بس عمرها ما تخيلت إن حياتها هتتحول لغسيل، وتأكيل، ومساج، وتقليب في السرير، وتغيير حفاضات، وقراية روايات بصوت عالي لأم جوزها.. في نفس الوقت اللي ابنها فيه مبيفكرش حتى يهوب ناحية الأوضة! جوزها جابر كان دايماً يقولها ببرود: أنا مقدرش أشوفها بالمنظر ده يا ليلى.. بيجيلي اكتئاب. الشقة بقى ريحتها كلها دوا، وعجز، وموت. وليلى كانت بتسكت كل مرة.. كانت بتقول لنفسها معلش، الصدمة بتخلي الناس قاسية، وبتقنع نفسها إن عشرة 11 سنة جواز لسه تستاهل إنها تحارب عشانها. لحد الليلة دي.. لما جابر دخل البيت ومعاه واحدة تانية! كان اسمها بوسي.. صغيورة في السن، متزوقة، وضوافرها طول كده، والقرَف باين على وشها ومش قادرة تداريه وهي بتهوب ناحية الشقة في مصر الجديدة. بوسي وهي بتسد مناخيرها: أففف يا جابر.. الريحة هنا تخنق! هو إحنا بجد هنعيش مع الست دي في نفس المكان؟ ليلى بصت لجوزها وهي مستنية منه تفسير.. بس جابر مكنش عنده حتى ذرة دم يكسف بيها على دمه. قالها بكل بجاحة: بوسي هي الست اللي بحبها.. أنا تعبت يا ليلى، الشقة دي بقت شبه المستشفيات والمشاحن. مفيش هنا لا ضحك ولا فرفشة ولا حياة.. أنا لسه شباب وعايز أعيش حياتي. ليلى سألته وصوتها يدوب طالع: وأنا؟ أنا إيه في حياتك؟ رد عليها ببرود: إنتِ بنت حلال وطيبة.. بس مبقتيش مراتي. إنتِ بقيتِ ممرضة ودادة. وبصراحة كدة، أنا متخلقتش عشان أعيش وسط الحفاضات، والأكل المهروس، والأدوية. بوسي لفت دراعها حوالين دراعه وقالت بدلع مستفز: وبعدين يا حبيبي، أنت مش وعدتني إننا هنخلص من الحوار ده النهاردة؟ أنا مش هعرف أنام هنا والست دي بتتنفس في الأوضة اللي جمبنا! في اللحظة دي، ليلى حسّت بنار قايدة جواها لدرجة إن الدموع نشفت في عينيها من كتر الغل. * أنت بتتكلم عن أمك يا جابر؟! أمك اللي ولدتك؟ هز كتافه وقال: أمي مبقتيش فاهمة حاجة أصلاً.. بقت زي خطة الزرع، مبتحسش. مش هيفرق معاها هي قاعدة فين. أوضة النوم كان بابها موارب.. الحاجة ميرفت كانت نايمة على السرير, عينيها مثبتة في السقف، ومحدش فيهم لقط الدمعة اللي نزلت ببطء من طرف عينها على المخدة. جابر كمل كلامه: الشقة دي في الأصل بتاعتي.. يعني، قانونياً هي لسه باسم أمي، بس أنا اللي بدير كل حاجة. إنتِ مالكيش أي حاجة هنا. هيديكِ قرشين تمن التاكسي، وتوكلي على الله. ليلى بلعت ريقها بصعوبة وسألته: ومين هيدي أمك حقنة الأنسولين؟ مين هيغيرلها الساعة تلاتة الفجر؟ مين هيقلبها عشان ميجيلهاش قرح فراش؟ بوسي لوحت بوشها وقالت بقرف: إيه القرف ده يا جابر! أنت مش قلتلي هنأجر حد يعمل الكلام ده? زعق جابر وقال: هنصرف في الموضوع ده بكرة! ليلى قربت منه خطوة: بكرة؟! الست محتاجة رعاية ليلتادي! جابر بص ناحية أوضة أمه كأنه بيبص على حتة عفش قديمة ومكركبة: خديها معاكِ طيب! إنتِ كدة كدة بتعرفي تتعاملي معاها، وبعدين إنتِ اتعلقتي بيها، مش كدة؟ ليلى برقت بعينها ومش مصدقة اللي بتسمعه: أنت بترميني أنا وأمك في الشارع كأنها كبة صالون قديمة مش عايزها؟ جابر: متبقيش دراما بقى.. أنا هبعتلك كل شهر قرشين عشان علاجها. بس النهاردة، إنتوا الاتنين برة. أنا وبوسي عايزين نبدأ على نضافة. دخلت ليلى الأوضة.. الحاجة ميرفت كانت لسه مش قادرة تتحرك، بس عينيها كانت صاحية ومبرقة، مليانة وجع وغل مش طبيعي. ليلى وطت عليها ومسحت دمعتها بطرف الملاية وقالتلها بصوت واطي: أنا آسفة يا حاجة ميرفت.. بيطردونا. وهنا حصلت حاجة خلت جسم ليلى يقشعر.. الإيد الشمال للحاجة ميرفت — وهي الإيد الوحيدة اللي بتقدر تحركها — قفشت في صوابع ليلى فجأة وبقوة! حركة مكنتش مجرد تشنج أو حركة عشوائية.. دي كانت رسالة واضحة، وصريحة، وبكل عزمها. عينيها كانت بتقول الكلام اللي لسانها عاجز ينطقه: متسبنيش معاه! ليلى خدت نفس عميق وقالتلها: مش هسيبك.. والله ما هسيبك. لو حتى هننام في أوضة بالإيجار، إنتِ هتيجي معايا. بعد ساعتين، كان فيه عربية إسعاف خاصة ورجالة شالوا الحاجة ميرفت على نقالة ونزلوا بيها السلم. جابر حتى مطلعش يقول لأمه مع السلامة.. من المطبخ، ليلى كانت سامعة صوت الأغاني الشغالة، ورن الكاسات، وضحكة بوسي العالية والمنشزة وهي مسمعة في الشقة كلها. قفلت ليلى الباب وراها ومن غير ما تبص وراها حتى. أبواب عربية الإسعاف قفلت بصوت معدني قوي. جوة العربية، الحاجة ميرفت كانت نايمة على النقالة، جسمها لسه ضعيف، وإيدها الشمال فضلت قفشة في صوابع ليلى بقوة. ليلى كانت قاعدة جمبها، ومعاها شنتة هدوم صغيرة تحت رجليها فيها غيارين اثنين، وأدوية الحاجة ميرفت، وفولدر فيه ورق الإشاعات والتحاليل، وآخر 47 جنيه حيلتها في الدنيا. جابر مكنش حتى كلف نفسه يديرلها تمن التاكسي. المسعف سألها: إحنا رايحين على فين يا أستاذة؟ ليلى اتسمرت مكانها وماعرفتش ترد. مكنش معاها شقة جاهزة تروح عليها، ولا ليها أهل في القاهرة، ومبقاش ليها جوز، ومفيش أي خطة في دماغها. صاحبتها الوحيدة، ناهد، كانت عايشة في شقة ضيقة يدوبك أوضة وصالة مع عيلين في منطقة عشوائية، وبتشتغل وردية بالليل. ليلى مكنشت تقدر تروح بالست المشلولة دي هناك وتعمل نفسها مش واخدة بالها من الحمل اللي هتشيله لصاحبتها. وفجأة، صوابع الحاجة ميرفت قرصت على إيدها تاني. ليلى بصت لتحت.. لقيت عيون الست الكبيرة بتتحرك ببطء ناحية الفولدر الطبي اللي محطوط على الكرسي جمبهم. ليلى فهمت الإشارة وفتحت الفولدر، وهي فاكرة إن فيه كارت مستشفى أو ورقة تأمين هي نسيتها. بس ورا تقرير الخروج، لقت جواب أبيض صغير مكتوب عليه اسمها بخط إيد مرعش: ليلى. جوة الجواب كانت فيه ورقة متطبقة ومكتوب فيها: بنتي الغالية ليلى، لو كنتِ بتقري الكلام ده، فده معناه إن ابني خلاص ورّاكِ وشّه الحقيقي. أوعي توديني مستشفى حكومي إلا لو مبقاش فيه حل تاني. خديني على مركز "دار الشفاء" لرعاية كبار السن في مدينة السادس من أكتوبر. واسألي هناك عن المحامية "إجلال رأفت". قولي ليها إن التوكيل هيخلص نص الليل. وقولي ليها إني جاهزة. وفي آخر الورقة مكتوب سطر تاني بخط مهزوز بس واضح جداً: إياكِ تأمني لجابر في أي حاجة. ليلى بصت للحاجة ميرفت، اللي كانت عينيها مليانة دموع بس النظرة اللي فيها كانت ثابتة وقوية. ليلى وشوشتها: أنتِ كنتِ مرتبة لكل ده؟ الحاجة ميرفت غمشت عينيها مرة واحدة بمعنى: أيوه. ليلى مالت لقدام واتكلمت بسرعة مع المسعف: غير الوجهة يا كابتن.. اطلع بينا على دار الشفاء في أكتوبر. الست معاها تأمين خاص وتوجيهات قانونية جاهزة. في نفس الوقت ده في الشقة، جابر كان عمال يصب الشامبانيا لبوسي وعينيهم بتلف في المكان وهم بيتخيلوا العفش المودرن والديكورات الجديدة. جابر طلع نفس طويل، وهو بيحاول يقنع نفسه إن الدنيا فعلاً بقت أحسن. الشقة بقت هادية أوي.. مفيش صوت جهاز الأكسجين. مفيش إنذار مواعيد الدوا. مفيش حركة ليلى في نص الليل. مفيش غير ريحة البرفان بتاع بوسي، ومعاهم إحساس غريب بعدم الراحة، كأن فيه حاجة بتحصل برة خطته ومن ورا ضهره. بوسي وهي بتقرا ملامح وشه: بكرة ترجع وتزحف تحت رجليك.. الستات اللي زي ليلى مالهمش بركة إلا بيوتهم، وهي كدة كدة مصل حيلتها حاجة. جابر أجبر نفسه على الضحك وقال: فعلاً، معندهاش أي حاجة تروح ليها. بوسي لفت دراعاتها حوالين رقبته وسألته: وأمك؟ هز كتافه وقال: ليلى عمالة تعمل فيها الشيخة خديجة والست الطيبة.. سيباها تشيلها وتخدمها براحتها. وبكرة نكلم مكتب دادات، ونقولهم إن والدتك بتتعالج في مكان تاني، ونبدأ حياتنا على نضافة. وبعدين تروح تجدد الورق اللي أنت محتاجه وعشان تنقل الشقة دي بالكامل باسمك وتخلص. جابر هز راسه بالموافقة، بس كلمة "تجديد" دي خبطت في دماغه وعملتله قلق. التوكيل الرسمي العام.. مدته بتخلص بكرة! أمه كانت مضتله عليه من سنين بعد ما جاتلها الجلطة، وعشان تخليه يدير سلسلة محلات قطع الغيار، وحسابات البنوك، والشقة، والاستثمارات، وكل حاجة. هو كان دايماً يقنع نفسه إنه صاحب الحق في السيطرة دي عشان هو ابنها الوحيد. بس اللي عمره ما قاله لمخلوق.. إن كل حساب في البنك، وكل محل، وكل عربية نقل بضاعة، وشقة مصر الجديدة دي.. كل ده قانونياً لسه باسم الحاجة ميرفت. هو مكنش المالك.. هو كان مجرد الراجل اللي في إيده المفاتيح مش أكتر. الساعة كانت 11:42 بالليل، جابر دخل على موقع البنك الخاص بالشغل، وحاول يعمل أمر تحويل لمبلغ 80 ألف دولار من حساب الاحتياطي بتاع الشركة لحسابه الشخصي. الشاشة نورت باللون الأحمر وظهرت رسالة: صلاحية التوكيل تنتهي خلال 18 دقيقة. العملية تتطلب تأكيد من المالك الأصلي. جابر شتم بصوت واطي وحاول تاني. ظهرت رسالة: تم رفض الدخول. حاول يدخل على حساب المرتبات؛ تم رفض الدخول. حاول يدخل على حساب التوفير؛ تم رفض الدخول. جسمه كله بدأ يفرز عرق ساقع من ورا رقبته. الساعة بقت 11:59 قبل نص الليل بدقيقة، اتصل بخط الطوارئ بتاع البنك المخصص للشركات، واداهم اسمه، وتاريخ ميلاد أمه، وكود التوكيل القديم. عند نص الليل بالظبط، نبرة صوت الموظفة اتغيرت تماماً وقالت ببرود: أنا آسفة يا أستاذ جابر، التوكيل بتاع حضرتك مبقاش شغال حالياً. انتهت مدته عند نص الليل بالظبط. إحنا مقدرش نناقش أي تفاصيل بخصوص الحسابات دي معاك من غير إذن مباشر من صاحبة الحساب أو ورق قانوني جديد ومتجدد. جابر زعق فيها: أمي مابتتكلمش! جاتلها جلطة ومابتنطقش! الموظفة سكتت ثانية وقالت ببرود: كونك ابنها ده ميديكش الحق في دخول الحسابات. الخط قطع بعد ما جابر رزع التليفون في الأرض من كتر الغيظ. في السادس من أكتوبر، مركز دار الشفاء مكنش شبه المستشفيات العادية. كان عبارة عن مبنى هادي وأنواره دافية. ليلى نزلت من عربية الإسعاف الساعة 12:26 بعد نص الليل، وكانت فيه ست لابسة بالطو طويل واقفة ومستنياهم تحت المظلة بتاعة المدخل. الست دي كانت في أواخر الخمسينات من عمرها، نظرتها حادة، شعرها أبيض، وقربت وعرفت نفسها: أنا الأستاذة إجلال رأفت، محامية الحاجة ميرفت. ليلى كانت هتعيط من كتر الارتياح: أنا مكنتش عارفة أروح فين ولا أعمل إيه. المحامية لمحت زرقان خفيف في معصم إيد ليلى مكان ما جابر قفش في إيدها بعنف وهي بتطردها وقالت: أنتِ عملتِ الصح بالظبط.. نفس اللي كانت هي بتتمناه. ليلى سألتها: هي الحاجة ميرفت بتفهم كل حاجة؟ المحامية إجلال: الحاجة ميرفت كانت بكامل قواها العقلية طول فترة تعبها. صحيح النطق عندها كان متبهدل وحركتها صعبة، بس وعيها وتركيزها كانوا مية مية في كل التقارير الطبية. وكانت بتتواصل معايا عن طريق حركة العين، ولوحة الحروف، وبعد كدة بدأت تكتب حاجات بسيطة بإيدها الشمال. طول الوقت ده.. كانت بتسمع كل حاجة ومركبة في كل كلمة. نقلوا الحاجة ميرفت لأوضة خاصة نظيفة ودافية. لما الممرضة خرجت، المحامية إجلال حطت دوسيه قانوني كبير على الترابيزة اللي جمب السرير وقالت: يا حاجة ميرفت، التوكيل بتاع جابر انتهى رسمي عند نص الليل. جابر مابقاش ليه أي سلطة على حساباتك أو محلاتك. كل الحاجات اللي جهزناها نقدر ننفذها من دلوقتي، بس أنا محتاجة تأكيد منكِ. الحاجة ميرفت غمشت عينيها مرة واحدة بمعنى: أيوه. المحامية فتحت الدوسيه، فليلى رجعت لورا وقالت: طب أسيبكم أنا عشان تاخدوا راحتكم؟ بس الحاجة ميرفت قفشت في إيد ليلى تاني بقوة بمعنى: لأ، خليكِ. المحامية بدأت تطلع الورق واحد ورا التاني.. إخطارات بإلغاء التوكيلات، تعليمات جديدة للبنوك، تعيين أمناء على الأملاك، وصية جديدة، وإقرار رسمي مسجل بتفاصيل المعاملة السيئة اللي كانت الحاجة ميرفت بتتعرض لها في بيت ابنها. وبعدين طلعت جواب تاني خالص، كان أتخن من الأولاني وقالت: الجواب ده عشانك أنتِ يا ليلى. ليلى فتحت الجواب بإيدين بترتعش، وجوة لقت رسالة مكتوبة بخط مهزوز: بنتي وحبيبتي ليلى، لأنكِ بقيتِ بنتي بجد لما ابني اللي من دمي نسي يعني إيه حنية ويعني إيه أصل.. أنا كنت شايفة كل حاجة. كنت بشوفك وأنتِ بتصحي الساعة 3 الفجر عشان تقلبيني عشان جسمي ميجيلوش قرح. كنت بشوفك وأنتِ بتأكليني لما ابني كان بيقول إن خلاص مبقاش فيا أمل وبموت. كنت بشوفك وأنتِ بتعيطي مستخبية في المطبخ وترجعي تبتسمي في وشي عشان محسش إني تقيلة عليكي. أنا برضه سمعت جابر. وسمعت بوسي. سمعت كل كلمة قاسية ووسخة اتقالت في حقي وفي حقك. أنا مكنتش قادرة أدافع عنكِ وقتها، بس أقدر أدافع عنكِ دلوقتي. لو أنتِ اخترتِ إنكِ تفضلي معايا وتساعديني، أنا عايزاكِ تاخدي حقك تالت ومتلت. مش كشحاتة ولا كدادة.. أنتِ من هنا ورايح مديرة الرعاية القانونية بتاعتي، والمسؤولة عن كل حاجة تخصني، وأكتر إنسانة أنا بأمن لها في الدنيا دي. ليلى بصت للحاجة ميرفت وهي مذهولة. المحامية إتكلمت بسرعة: الحاجة ميرفت جهزتلك عقد عمل رسمي بمرتب شهري كبير، وتأمين صحي شامل، وسكن كامل ليكي هنا طول فترة علاجها، وحماية قانونية كاملة ضد جابر. ده مش إحسان ولا هبة، ده شغل وعقد رسمي.. وهي شايفة إن الشغل ده أنتِ كنتِ بتعمليه بقالك سنة ومن غير ما تاخدي عليه مليم واحد. ليلى هزت راسها: أنا مكنتش بـخدمها عشان فلوس والله! عيون الحاجة ميرفت لمعت بالدموع، والمحامية قالتلها بصوت حنين: هي عارفة كدة كويس.. وعشان كدة بالذات هي مأمناكِ على حاجتها ونفسها. الساعة 7:15 الصبح، جابر وصل الفرع الرئيسي للبنك وهو لابس نفس القميص المكرمش وبوسي معاه. جابر دخل بكل عصبية وقابل مديرة الفرع في مكتبها الزجاجي وقعد يشرح إن والدته عاجزة، وإنه هو اللي بيدير محلات قطع الغيار، وإن حوار إلغاء التوكيل ده مجرد غلطة في السيستم. المديرة قعدت تكتب على الكمبيوتر لكام ثانية، وبعدين بصتله: يا أستاذ جابر، المحامية بتاعة صاحبة الحساب اتصلت بينا الساعة 12:08 بعد نص الليل وادتنا تعليمات قانونية جديدة من الأستاذة إجلال رأفت. التوكيل القديم انتهت مدته، وبناءً على كدة، كل الحسابات بقت تحت الحماية المباشرة لصاحبة الحساب وتحت المراجعة القانونية. وحضرتك مابقاش عندك أي صلاحية لسحب، أو تحويل، أو تعديل، أو رهن أي أصول تخص حسابات الحاجة ميرفت. جابر قرب من مكتبها وعلي صوته: الكلام ده مش ممكن يحصل! أمي مقدرش تطلع أوامر أو تمضي على حاجة! المديرة بصتله ببرود وقالت: بناءً على الورق والتقارير الطبية اللي اتقدمت لينا، والدة حضرتك تم إقرار سلامة قواها العقلية من اثنين من كبار الأطباء ومقيم معتمد من المحكمة. بوسي طلعت ضحكة مستفزة وقالت: الست الكركوبة دي أصلاً مابتتحركش! المديرة نظرتها بقت حادة وقالتلها: العجز الجسدي مش معناه عجز عقلي يا فندم. وبناءً عليه، حضرتك مالكش الحق في صور الورق لأنك مش صاحب الحساب. وبرة البنك، على الرصيف، بوسي قفشت في دراعه وقالت: قولي إنها مش هتقدر تاخد مننا كل حاجة! جابر نتر إيدها وقال: مش هتعرف تعمل حاجة! بس في اللحظة دي، تليفونه بدأ يرن ومبطلش. كل المكالمات من مديري الفروع والمحاسبين كانت نفس الكلام ونفس الصدمة: وصلتنا مكاتبة رسمية من الأستاذة إجلال رأفت، وبناءً على الأوامر الجديدة، تم عزل جابر من أي صلاحية إدارية لحد ما تخلص المراجعة المالية والحسابية للشركة. على الساعة 9:30 الصبح، الإيميل الخاص بالشغل اتقفل في وشه. على الساعة 10:15، فيزا الشركات والفيزا الشخصية وقفت. على الساعة 11:00، بواب العمارة في مصر الجديدة بلغه إن فيه محضر سلمهم إخطار رسمي بخصوص وضع الشقة تحت الحماية القانونية. بوسي كانت قاعدة جمبه في العربية المرسيدس وبصتله بقرف: اخلص واتصرف واعمل أي حاجة! جابر كان عاصر الدريكسيون في إيده: ما أنا زفت بتصرف اهو! بوسي: لا أنت مش بتتصرف، أنت عمال تترعش وتضيعنا! جابر لف وشها وزعق فيها: ما أنتِ اللي كنتِ عايزة تخلصي منها وتطرديها! بوسي صرخت في وشه: أنا كنت عايزة الست العيانة الكركوبة هي اللي تغور، مكنتش عايزة الفلوس هي اللي تغور! ولأول مرة، جابر سمع وشاف بوسي على حقيقتها.. طلعت مجرد طمع متزوق بروج وشياكة. بس هو كان غرقان في طمعه لدرجة م تخليهوش يقدر يحاسبها على طمعها. في مركز دار الشفاء، ليلى صحيت على الظهر بعد ما نامت كام ساعة، لقطت صوت جهاز الأكسجين الهادي وشافت الحاجة ميرفت نايمة في سلام وراحة. الشقة مكنش فيها أي ريحة خناق ولا زعيق. ليلى قعدت على السرير وبدأت تعيط بدموع مهدودة هزت جسمها كله؛ كانت بتعيط على سنين جوازها اللي ضاعت، وعلى العمر اللي قضته وهي فاكرة إن طاقة التحمل والذل دي هي الحب. كانت بتعيط لأنها خرجت من بيتها معندهاش أي حاجة، وفجأة لقت نفسها في أول مكان تحس فيه بالأمان بقالها سنين. المحامية إجلال رجعت ومعاها فطار وقالت: قعدت المحامية قدامها وقالت: حماكِ الله يرحمه هو اللي بنى سلسلة محلات قطع الغيار دي من مجرد ورشة صغيرة لحد ما بقت من أكبر المحلات والموزعين في البلد. ولما مات، كل حاجة اتنقلت باسم الحاجة ميرفت. جابر تم تعيينه كمدير بعد كدة بسنين، بس عمره ما ملك الشغل ده ولا المحلات دي كانت بتاعته في يوم من الأيام. ليلى مسحت دموعها وقالت: بس هو كان دايماً بيقول إن الشغل ده بتاعه ومن عرق جبينه! المحامية: ناس كتير بتقول حاجات تخدم مصلحتها وتطلعها لفوق. جابر كان مسيطر على كل حاجة.. الزيارات، البوسطة، الورق، حتى مواعيد جلسات العلاج الطبيعي بتاعتها. وأول ما أمه لقطت إنكِ البني آدمة الوحيدة اللي بتعامليها بحنية وبذمة، بدأت تخبي ورق وملاحظات جوة الفولدرات الطبية. وهي كانت مستنية التوكيل ده يخلص مدته لأن الدخول في معركة في المحاكم قبل كدة كان هيبقى فيه مخاطرة كبيرة عليها وعلى أملاكها. على المغربية كدة، جابر جه مركز دار الشفاء ومعه بوكيه ورد، ولابس قميص نظيف، ورسم على وشه علامات الحزن والندم وبوسي مكنتش معاه. ليلى كانت واقفة جمب السرير وجابر بيدخل الأوضة باصص لأمه ودموعه قريبة من عينه وقال بصوت واطي: أمي.. بس الحاجة ميرفت فضلت بتبص له بنظرة حادة وباردة. قرب خطوة كمان وقال: أنا كنت متعصب امبارح يا أمي.. والموضوع خرج عن سيطرتي. أنا عمري ما كان قصدي إنكِ تمشي وتسيبّي البيت بالمنظر ده. ليلى.. ممكن نتكلم برة دقيقتين؟ ليلى: لأ. جابر شاور على ليلى وقال لأمه: أنتِ مش ممكن تخلي محامية غريبة تقلبك عليا! ومش ممكن تخلي ليلى تستغلك وتضحك عليكي! دي ممرضة يا أمي، ودول بيبقوا عارفين إزاي يمشوا الناس العيانة ويلعبوا بعقولهم! المحامية إجلال دخلت الأوضة وقالت بصوت قوي: لحد هنا وكفاية أوي! اتفضل اطلع برة. جابر زعق: الست دي خطفت أمي! المحامية: والدتك خرجت من بيتك في عربية إسعاف بعد ما أنتَ بنفسك أمرت مراتك إنها تاخدها وتمشي وتطلع برة البيت. جابر: مش ده اللي حصل اصلاً! وهنا الحاجة ميرفت حركت شفايفها وطلعت كلمة واحدة واضحة هزت الأوضة: كداب. جابر رجع لورا كأن حد ضربه بقلم على وشه. الكلمة دي كلفت الحاجة ميرفت كل طاقتها ووشها اتشنج من التعب. المحامية إجلال وقفت بين جابر والسرير وقالتله: اتفضل اخرج برة حالاً.. المحاسب القانوني والمراجع القضائي هيبدأ شغل من بكرة الصبح. وفي اللحظة دي بالذات، الخوف والرعب دخلوا قلب جابر؛ مراجع قضائي معناه أرقام، دفاتر، تحويلات، فواتير، فلوس ناقصة، وفيزا شركات كانت بتتصرف على الفسح، والدهب، وإيجار شقة بوسي اللي جابر كان دافعه في التجمع الخامس من ورا ليلى. أمن المستشفى دخل وطلعه برة المبنى. بعد تلات أسابيع، التقرير المالي الأول وصل للمحامية. جابر كان ساحب ونهب أكتر من 640 ألف دولار من حسابات الشركة والحسابات الشخصية على مدار خمس سنين رايحة في حجوزات فنادق خمس نجوم في شرم الشيخ، ومشتريات براندات وشياكة، وفواتير مطاعم تقطم الظهر، ودفعات شهرية لعمارة في التجمع الخامس كانت بوسي قاعدة فيها. ليلى قرت أول صفحة وحطت التقرير من إيدها من كتر القرف، بس الحاجة ميرفت أصرت إن المحامية إجلال تقرا التقرير كله وبصوت عالي حتة حتة عشان تواجه الحقيقة من غير تجميل. الإجراءات القانونية مشيت أسرع بكتير مما جابر كان يتخيل؛ اترفع عليه قضايا مدنية وجنائية، وإدارة المحلات والشركة اتنقلت بالكامل لفريق إداري محترف. شقة مصر الجديدة تم تأمينها وتغيير كوالينها وأقفالها، وحسابات البنوك اتجمدت لحد ما الفلوس المنهوبة ترجع. وطبعاً، بوسي كانت أول واحدة تخلع وتختفي! أول ما فيزا الشركات وقفت وعربية جابر اتسحبت، الحب الكبير بتاعها اتمسح وبقت "مشغولة"، وعملتله بلوك وعزلت من شقة التجمع قبل ما المحضر والمسؤولين يوصلوا بيومين اثنين، وسابتله ورقة صغيرة مكتوب فيها: متدخلنيش في قرف مشاكلك أنت وعيلتك. جابر قعد على الأرض وبدأ يضحك بوجع لحد ما الضحك قلب معاه بعياط وصراخ؛ من ست شهور فاتوا، كان بيعاير ليلى وبيقولها أنتِ مجرد ممرضة ودادة كأنه بيشتمها.. دلوقتي فهم إن بوسي عمرها ما حبت حاجة في حياتها غير الفلوس والعزايم. وفي نفس الوقت ده، ليلى بدأت تتغير ببطء وخطوة خطوة؛ فتحت حساب في البنك باسمها لأول مرة، ووكلت محامي شاطر عشان ترفع ق*ضية الطلاق، وبطلت تعتذر قبل ما تسأل عن حقها. وفي نفس الوقت، فضلت تخدم وتراعي الحاجة ميرفت بذمة وحب. ومع العلاج الطبيعي المظبوط وجلسات التخاطب اليومية، صحة الحاجة ميرفت اتحسنت بكتير وأول جملة كاملة نطقتها بصوتها مكنتش للمحامية ولا للدكتور.. دي كانت لليلى! بصت لها وقالت: بنتي الغالية. ليلى انهارات من العياط والدموع والحاجة ميرفت عيطت معاها. بعد سنة كاملة من الليلة السودة، شركة محلات قطع الغيار عملت الجمعية العمومية السنوية في قاعة فندق كبير، وجابر اسمه مكنش مكتوب ولا حتى على يافطة صغيرة في القاعة. الحاجة ميرفت وصلت وهي قاعدة على كرسي متحرك ولابسة فستان كحلي شيك وعقد لولي ليلى ساعدتها تقفله. الموظفين والعمال كلهم وقفوا على رجل واحدة أول ما الحاجة ميرفت دخلت القاعة؛ فاكرين الست دي لما كانت بتمسك الدفاتر وتعمل المرتبات بإيدها وتجيب الشاي والقهوة للصنايعية والميكانيكية الساعة 6 الصبح. ليلى كانت ماشية جمبها بالظبط وكتفها في كتفها. المحامية إجلال طلعت على المسرح وشرحت الهيكل الإداري الجديد للشركة، وإن العمال هيصرفوا مكافآت وتأمينات المعاشات المتأخرة اللي جابر كان معطلها، وهيتم عمل صندوق منح دراسية لعيال العمال. وبعدين المحامية سكتت ثانية وقالت: والحاجة ميرفت عندها إعلان شخصي وعايزة تقوله بنفسها. ليلى ظبطت المايك قدام بؤ الحاجة ميرفت، والست الكبيرة رفعت إيدها الشمال وصوتها طلع خشن وبطيء ومكسر بس هز القاعة وقالت: بقالها سنة.. ناس كتير فاكرة إني خلاص مت ومتغيبة عن الدنيا.. أنا مكنتش ميتة.. أنا كنت محبوسة ومسجونة جوة جسمي. ابني نسي إني أمه اللي ولدته وتعبت فيه.. بس مرات ابني افتكرت إني بني آدمة وليا روح. ليلى هي اللي أنقذت حياتي.. مش عشان طمعانة في قرشين.. عشان فضلت واقفة جمبي في الوقت اللي كان الهروب والمشي فيه أسهل بكتير من القعدة. أنا معنديش بنت من دمي ولحمى.. بس ربنا عوضني ببنت من روحي وقلبي.. ليلى هي بنتي. العمال والموظفين بدأوا يصقفوا وهتاف عالي هز المكان. جابر كان قاعد في لوكاندة رخيصة على أطراف القاهرة وبيتفرج على فيديو للمؤتمر ده من تليفونه وحس بحاجة جواها بتتكسر وتتحطم؛ هو مخسرش فلوس ومحلات بس.. هو خسر حقه في إنه يقف في وسط الناس دي ويرفع راسه. حكم الطلاق صدر رسمي على دخول فصل الربيع. ليلى مكلبتش في الشقة، ولا طمعت في الشركة، كل اللي طلبته هو حريتها وحاجتها الشخصية اللي جابر كان راميها ورافض يرجعها لها. صور فرحهم رجعتلها في كرتونة قديمة والبرواز بتاعها مكسور. ليلى طلعت صورة واحدة بس من الكرتونة.. صورتها وهي بترقص مع الحاجة ميرفت في الفرح والضحكة مالية وشهم، وباقي الصور كلها رمتها في الزبالة. بعد سنتين من الليلة السودة دي، الحاجة ميرفت طلبت من ليلى إنهم يروحوا يزوروا شقة مصر الجديدة لآخر مرة. الشقة كانت اتوضبت وجددوا كل حاجة فيها؛ سرير المستشفى اتأخد، الحيطان دهنوها ألوان مبهجة وفاتحة، والأوضة تحولت لأوضة قراءة منورة كلها شمس وفيها زرع أخضر وكرسي مريح جمب الشباك. الحاجة ميرفت دخلت بالكرسي ووقفت في نص الصالة وعينيها بقت تلف في المكان ببطء شديد وقالت: لأ.. المكان بقى جميل أوي. وقعدوا يشربوا الشاي في المطبخ، هما الاثنين بس، وصوت الحياة شغال برة الشباك. السكوت مابقاش يخوف ولا بقى فيه خطر.. بقى سكوت راحة وأمان. وفجأة، الحاجة ميرفت مدت إيدها في جيب الكرسي المتحرك وطلعت جواب أبيض. ليلى استغربت وقالت: إيه ده يا حاجة ميرفت؟ الحاجة ميرفت ابتسمت وقالت: المستقبل. ليلى فتحت الجواب ولقيت جوة ورق نقل ملكية وعقد أمانة، والمحامية إجلال قالتلها: الحاجة ميرفت نقلت ملكية شقة مصر الجديدة وعملتها وقف وعقد أمانة مدى الحياة.. وبعد عمر طويل، الشقة دي بتتنقل ملكيتها ليكي أنتِ رسمي وقانوني يا ليلى. ليلى قامت وقفت وهي بتترعش: أنا مقدرش أقبل هدية بالحجم ده! الحاجة ميرفت خبطت على الترابيزة خبطة واحدة وقالتلها بصوت حازم: اسمعيني.. ابني كان عايز الشقة دي عشان تمنها وفلوسها.. أنتِ عملتِ منها بيت وسكن لما مكنش فيها غير الوجع والكسرة.. سيبيني اختار وأعمل الصح لآخر مرة في عمري. التلات كلمات دول قفلوا أي نقاش.. ليلى مسكت إيد الحاجة ميرفت وباستها وهي بتعيط في سكات: كتر خيرك وشكراً ليكي يا أمي. الحاجة ميرفت ابتسمت وقالت: بنتي الغالية. جابر رجع ظهر تاني مرة واحدة بعد تلات سنين من ليلة عربية الإسعاف؛ كان باين عليه الكبر والعجز، وعينه مطفية وتعبانة وفيها نبرة انكسار وهدوء بعد ما قضى عقوبة حبس قصيرة في قضايا النصب المالي والاختلاس وخرج يقضي فترة المراقبة مع إلزامه برد المبالغ. وصل مركز دار الشفاء ومكنش معاه ورد ولا محامي ولا بوسي. ليلى لمحته الأول وهي واقفة في صالة المدخل الرئيسية وقامت واقفة في الممر بين جابر وبين الأوضة جوة من غير ما تفكر. جابر وقف مكانه وقال بصوت واطي: أنا مش جاي أعمل مشاكل ولا جاي أتخانق والله.. جاي أطلب منها بس لو ترضى تشوفني وتقابلني لدقيقتين. ليلى مردتش عليه علطول وفضلت تبص له: هي مش مديونا لك بأي حاجة يا جابر. الست دي عيطت دم بسببك وبسبب عمايلك، دي كانت هتموت وهي مصدقة ومقتنعة إن ابنها الوحيد اللي خلفته وشالته شايفها مجرد حتة عفش مكركبة وعايز يخلص منها. جابر نزل عينه في الأرض والدموع نزلت: أنا عارف كل ده.. والله عارف. مكنش فيه أي نبرة دفاع أو بجاحة في صوته، وليلى عرفت إن الحاجة ميرفت هي الوحيدة اللي ليها حق الاختيار والقرار. دخلت ليلى الأوضة وقالت للحاجة ميرفت إن جابر واقف برة وعايز يشوفها. الحاجة ميرفت فضلت بتبص للشباك ولوقت طويل من غير ما تتحرك، وبعدين لفت وشها وقالت كلمة واحدة: خمسة، يعني خمس دقائق بالظبط. جابر دخل الأوضة وهو حاطط إيديه جمبه وباينين كأنه بني آدم بيقرب من حاجة مقدسة وغالية هو بنفسه اللي كسرها. الحاجة ميرفت كانت قاعدة على كرسيها جمب الشباك وحاطة بطانية صغيرة فوق ركبها. جابر نزل على ركبه وهمس: أنا آسفة.. وسامحيني. الست الكبيرة غمشت عينيها ببطء شديد. بلع ريقه بصعوبة وكمل: أنا قلت الكلمة دي زمان يا أمي.. بس مكنتش فاهم أنا بتأسف على إيه بالظبط. أنا كنت فاكر إني متأسف عشان اتكشفت واتفضحت.. بس أنا دلوقتي جاي ومتأسف عشان أنتِ كنتِ صاحية.. أنتِ كنتِ معانا في الأوضة وسامعة كل حاجة. سمعتيني وأنا بقول عليكي إنكِ مبقتيش تسوي حاجة وإنكِ زي عدمك. سمعتِ ابنك وهو بيرميكي وأنتِ محبوسة جوة جسمك ده، وبتصرخي من غير ما تطلعي صوت.. أنا مش عايز فلوس، وعارف إني مستاهلش الشركة، وعارف إني مستحقش الشقة.. بس كنت عايز أقول الحقيقة وأنا واقف قدامكِ وأنتِ سامعاني وعارفاني. الأوضة رجعت للسكوت التام.. وبعدين الحاجة ميرفت لفت وشها وقالت: ليلى. ليلى قربت منها خطوة فالست الكبيرة مدت إيدها الشمال وقفشت في إيد ليلى، وبعدين بصت لجابر وقالتله: دي.. بنتي. جابر هز راسه وهو عمال يعيط ومنهار: أيوه يا أمي.. هي فعلاً بنتكِ وتستاهل. الحاجة ميرفت فضلت تبص له لنظرة أخيرة طويلة، وبعدين طلعت آخر كلامها ليه وقالت: أنتَ.. كنت ابني.. روح.. وابقى.. بني آدم أحسن من كدة. حط إيده على بؤه وهو مش قادر يتنفس من كتر العياط والانكسار والخمس دقائق بتوعه خلصوا فقام وخرج في سكات وعموره ما جه تاني. ولما جه وقت الحاجة ميرفت وتوفت.. مكنتش لوحدها في الدنيا؛ ليلى كانت قاعدة جمبها على السرير وبتقرا لها نفس الرواية الرومانسية القديمة. إيد الحاجة ميرفت الشمال كانت مستريحة جوة كف ليلى براحة لحد ما الروح طلعت وبقت جاهزة تسيب الدنيا وتفارقها. آخر كلمة طلعت من بؤها مكنتش جابر ولا فلوس ولا انتقام.. كانت: بيتي. الجنازة اتمشيت في يوم خريف منور وشمس في مدافن العيلة. العمال والموظفين بتوع المحلات والشركة كلهم جم بلبس الشغل، والممرضات والدكاترة بتوع مركز دار الشفاء جم كلهم والمحامية إجلال رأفت كانت قاعدة في أول صف وعيطت زي العيال الصغيرة. جابر جه هو كمان بس قعد ورا خالص في آخر صف. ليلى لمحته وسط الناس بس ماراحتش ناحيته ومكلمتهوش؛ فيه ناس نقدر نسامحهم ونقفل صفحتهم وإحنا بعاد عنهم، وفيه أبواب بتفضل مقفولة من غير ما يكون ورا القفل ده أي كره أو عداوة. ولما جه وقت الكلمة، ليلى طلعت وقفت قدام الناس كلها وابتسمت من وسط دموعها وقالت: الحاجة ميرفت عمرها ما كانت ست ساكتة ولا عاجزة.. حتى لما جسمها تعب وأخد منها القدرة على النطق والكلام، كانت دايماً بتلاقي الطريقة اللي تتكلم وتعبر بيها. وتكلمت بالورق والقوانين، وبالشجاعة، وبكلمة واحدة عمرنا ما هننساها غيرت مسار كل حاجة وحمتنا كلنا. ناس كتير كانت فاكرة إنها غلبانة ومغلوبة على أمرها عشان حركتها صعبة، بس الحاجة ميرفت كانت بتسمع وكانت فاكرة وكانت فاهمة كل حاجة تتقال حواليها. ولما جه الوقت المظبوط، مأختارتش الانتقام.. دي اختارت العدل والحق. حمت الشركة والمحلات اللي جوزها بناها من الصفر، وحمت العمال البيوتهم مفتوحة من الشغل ده، وحمتني أنا شخصياً في الوقت اللي مكنتش عارفة إزاي أحمي فيه نفسي من الظلم. والأهم من ده كله.. إنها فكرتني وعلمتني إن العيلة مش دايماً هي البني آدم اللي بيشيل نفس اسم عيلتك في البطاقة.. العيلة ساعات بتبقى هي الإيد اللي بتتمد وتخطف إيدك في الوقت اللي الدنيا كلها بتقولك سيب واخلع واجري. بعد العزا، المحامية ناولتها جواب أخير الحاجة ميرفت كانت كتبته من شهور فاتوا: بنتي وحبيبتي ليلى، لو كنتِ بتقري الكلام ده، ف أنا دلوقتي رجعت لحبيبي وجوزي أبو جابر. أوعي تضيعي يوم واحد من عمرك وأنتِ بتسألي نفسك ليه جابر معرفش يحبك ويصونك كزوجة.. فيه ناس ربنا بيديهم الحب والحنية تالت ومتلت على طبق دهب، وهم برضه بيختاروا الجوع والنهش في الدنيا. دي المأساة بتاعتهم هم وذنبهم، مش واجبك ولا مسؤوليتك أنتِ تـصلحيهم. عيشي في الشقة دي لو كانت بتجيبلكِ الراحة والأمان.. أو حوليها لحاجة جميلة تدي لحياتكِ معنى وهدف. أنا سيبت الشقة دي ليكي أنتِ بالذات لأنكِ البني آدمة الوحيدة اللي عمركِ ما عاملتيني كأني حتة عفش أو ملكية.. أنتِ عاملتيني كبني آدمة وليا روح وقيمة. ليلى بصت حواليها في المطبخ؛ الرخام كان نظيف، الشبابيك مفتوحة والهوا نظيف داخل منها، وفيه فازة ورد أصفر شيك محطوطة جمب الحوض. ولأول مرة، الشقة مكنتش باينة كأنها المكان اللي انطردت منه في نص الليل.. دي بقت باينة كأنها حياتها وعمرها اللي بيرجعوا ليها من جديد وعلى نظافة. بعد ست شهور، اتعلقت يافطة نحاس شيك جمب مدخل العمارة الرئيسي مكتوب عليها: بيت الحاجة ميرفت. سكن دافئ وآمن لرعاية الستات الكبار في السن والدادات والممرضات اللي بيبدأوا حياتهم من الصفر ومن غير ما يكون معاهم مليم. ليلى مبعتش الشقة وحولتها للمكان اللي الحاجة ميرفت كانت بتتمناها من غير ما تنطق بها؛ مكان مفيش فيه ست تترمى في أوضة ضلمة والناس تقرر بالنيابة عنها إنها مبقتش تسوى وماتت. مكان الدادات والممرضات الشقيانين يقدروا يرتاحوا فيه وياخدوا نفسهم، ومكان الستات الكبار صوتهم يتسمع ويتحس بيه وعشان السكوت والعجز عمره ما يتفسر تاني على إنه موافقة وقبول بالظلم. وفي أول يوم افتتاح، وصلت أول نزيلة ومعاها بنتها وشنتين هدوم وعيونهم مليانة خوف من الجاي. ليلى راحت وقفت عند الباب واستقبلتهم بابتسامة حلوة. الست الكبيرة كانت قاعدة على كرسي متحرك ونطقها ضعيف أوي من أثر جلطة قديمة، والبنت كانت عمالة تتأسف وتعتذر تلات أربع مرات إنها محتاجة مساعدة ومش قادرة تشيل والدتها لوحدها. ليلى نزلت على ركبتها جمب الكرسي المتحرك وبصت للست الكبيرة وابتسمت بحنية وقالت للبنت: أنتِ هنا مش محتاجة تعتذري ولا تتأسفي على أي حاجة يا حبيبتي.. أنتِ وأمك هنا في أمان ومحدش يقدر يقربلكم. الإيد الشمال للست الكبيرة بدأت تتحرك ببطء شديد وقامت ممدودة وقفشت في إيد ليلى. وليلى.. وهي بتفتكر الليلة السودة اللي عربية الإسعاف شالت فيها ستين غلابة ومطرودين في وسط الضلمة.. خدت إيد الست الكبيرة دي من غير أي تردد وبكل حنية الدنيا. ولما الصبح طلع، اكتشفت السر اللي غير كل حاجة في دنيتها؛ بسبب إنها اختارت الأصول والحنية والحب على حساب الراحة والسكوت على الظلم.. هي صحيح خسرت جوز ندل وميسواش.. بس ربنا عوضها بأم غالية.. وبيت ملكها.. وغاية وهدف لحياتها.. وعيلة حقيقية مفيش أي خيانة أو غدر في الدنيا يقدر ياخدها منها تاني. Ahmad Suliman **تمت القصة**