في اللحظة دي، ليلى حسّت بنار قايدة جواها لدرجة إن الدموع نشفت في عينيها من كتر الغل.
* أنت بتتكلم عن أمك يا جابر؟! أمك اللي ولدتك؟
هز كتافه وقال: أمي مبقتيش فاهمة حاجة أصلاً.. بقت زي خطة الزرع، مبتحسش. مش هيفرق معاها هي قاعدة فين.
أوضة النوم كان بابها موارب.. الحاجة ميرفت كانت نايمة على السرير, عينيها مثبتة في السقف، ومحدش فيهم لقط الدمعة اللي نزلت ببطء من طرف عينها على المخدة.
جابر كمل كلامه: الشقة دي في الأصل بتاعتي.. يعني، قانونياً هي لسه باسم أمي، بس أنا اللي بدير كل حاجة. إنتِ مالكيش أي حاجة هنا. هيديكِ قرشين تمن التاكسي، وتوكلي على الله.
ليلى بلعت ريقها بصعوبة وسألته: ومين هيدي أمك حقنة الأنسولين؟ مين هيغيرلها الساعة تلاتة الفجر؟ مين هيقلبها عشان ميجيلهاش قرح فراش؟
بوسي لوحت بوشها وقالت بقرف: إيه القرف ده يا جابر! أنت مش قلتلي هنأجر حد يعمل الكلام ده?
زعق جابر وقال: هنصرف في الموضوع ده بكرة!
ليلى قربت منه خطوة: بكرة؟! الست محتاجة رعاية ليلتادي!
جابر بص ناحية أوضة أمه كأنه بيبص على حتة عفش قديمة ومكركبة: خديها معاكِ طيب! إنتِ كدة كدة بتعرفي تتعاملي معاها، وبعدين إنتِ اتعلقتي بيها، مش كدة؟
ليلى برقت بعينها ومش مصدقة اللي بتسمعه: أنت بترميني أنا وأمك في الشارع كأنها كبة صالون قديمة مش عايزها؟
جابر: متبقيش دراما بقى.. أنا هبعتلك كل شهر قرشين عشان علاجها. بس النهاردة، إنتوا الاتنين برة. أنا وبوسي عايزين نبدأ على نضافة.
دخلت ليلى الأوضة.. الحاجة ميرفت كانت لسه مش قادرة تتحرك، بس عينيها كانت صاحية ومبرقة، مليانة وجع وغل مش طبيعي.
ليلى وطت عليها ومسحت دمعتها بطرف الملاية وقالتلها بصوت واطي: أنا آسفة يا حاجة ميرفت.. بيطردونا.
وهنا حصلت حاجة خلت جسم ليلى يقشعر.. الإيد الشمال للحاجة ميرفت — وهي الإيد الوحيدة اللي بتقدر تحركها — قفشت في صوابع ليلى فجأة وبقوة!
حركة مكنتش مجرد تشنج أو حركة عشوائية.. دي كانت رسالة واضحة، وصريحة، وبكل عزمها. عينيها كانت بتقول الكلام اللي لسانها عاجز ينطقه: متسبنيش معاه!
ليلى خدت نفس عميق وقالتلها: مش هسيبك.. والله ما هسيبك. لو حتى هننام في أوضة بالإيجار، إنتِ هتيجي معايا.
بعد ساعتين، كان فيه عربية إسعاف خاصة ورجالة شالوا الحاجة ميرفت على نقالة ونزلوا بيها السلم. جابر حتى مطلعش يقول لأمه مع السلامة..