ليلى بصت حواليها في المطبخ؛ الرخام كان نظيف، الشبابيك مفتوحة والهوا نظيف داخل منها، وفيه فازة ورد أصفر شيك محطوطة جمب الحوض. ولأول مرة، الشقة مكنتش باينة كأنها المكان اللي انطردت منه في نص الليل.. دي بقت باينة كأنها حياتها وعمرها اللي بيرجعوا ليها من جديد وعلى نظافة.
بعد ست شهور، اتعلقت يافطة نحاس شيك جمب مدخل العمارة الرئيسي مكتوب عليها: بيت الحاجة ميرفت. سكن دافئ وآمن لرعاية الستات الكبار في السن والدادات والممرضات اللي بيبدأوا حياتهم من الصفر ومن غير ما يكون معاهم مليم.
ليلى مبعتش الشقة وحولتها للمكان اللي الحاجة ميرفت كانت بتتمناها من غير ما تنطق بها؛ مكان مفيش فيه ست تترمى في أوضة ضلمة والناس تقرر بالنيابة عنها إنها مبقتش تسوى وماتت. مكان الدادات والممرضات الشقيانين يقدروا يرتاحوا فيه وياخدوا نفسهم، ومكان الستات الكبار صوتهم يتسمع ويتحس بيه وعشان السكوت والعجز عمره ما يتفسر تاني على إنه موافقة وقبول بالظلم.
وفي أول يوم افتتاح، وصلت أول نزيلة ومعاها بنتها وشنتين هدوم وعيونهم مليانة خوف من الجاي. ليلى راحت وقفت عند الباب واستقبلتهم بابتسامة حلوة. الست الكبيرة كانت قاعدة على كرسي متحرك ونطقها ضعيف أوي من أثر جلطة قديمة، والبنت كانت عمالة تتأسف وتعتذر تلات أربع مرات إنها محتاجة مساعدة ومش قادرة تشيل والدتها لوحدها.
ليلى نزلت على ركبتها جمب الكرسي المتحرك وبصت للست الكبيرة وابتسمت بحنية وقالت للبنت: أنتِ هنا مش محتاجة تعتذري ولا تتأسفي على أي حاجة يا حبيبتي.. أنتِ وأمك هنا في أمان ومحدش يقدر يقربلكم.
الإيد الشمال للست الكبيرة بدأت تتحرك ببطء شديد وقامت ممدودة وقفشت في إيد ليلى. وليلى.. وهي بتفتكر الليلة السودة اللي عربية الإسعاف شالت فيها ستين غلابة ومطرودين في وسط الضلمة.. خدت إيد الست الكبيرة دي من غير أي تردد وبكل حنية الدنيا.
ولما الصبح طلع، اكتشفت السر اللي غير كل حاجة في دنيتها؛ بسبب إنها اختارت الأصول والحنية والحب على حساب الراحة والسكوت على الظلم.. هي صحيح خسرت جوز ندل وميسواش.. بس ربنا عوضها بأم غالية.. وبيت ملكها.. وغاية وهدف لحياتها.. وعيلة حقيقية مفيش أي خيانة أو غدر في الدنيا يقدر ياخدها منها تاني.
Ahmad Suliman