بعد سنتين من الليلة السودة دي، الحاجة ميرفت طلبت من ليلى إنهم يروحوا يزوروا شقة مصر الجديدة لآخر مرة. الشقة كانت اتوضبت وجددوا كل حاجة فيها؛ سرير المستشفى اتأخد، الحيطان دهنوها ألوان مبهجة وفاتحة، والأوضة تحولت لأوضة قراءة منورة كلها شمس وفيها زرع أخضر وكرسي مريح جمب الشباك. الحاجة ميرفت دخلت بالكرسي ووقفت في نص الصالة وعينيها بقت تلف في المكان ببطء شديد وقالت: لأ.. المكان بقى جميل أوي. وقعدوا يشربوا الشاي في المطبخ، هما الاثنين بس، وصوت الحياة شغال برة الشباك. السكوت مابقاش يخوف ولا بقى فيه خطر.. بقى سكوت راحة وأمان.

وفجأة، الحاجة ميرفت مدت إيدها في جيب الكرسي المتحرك وطلعت جواب أبيض. ليلى استغربت وقالت: إيه ده يا حاجة ميرفت؟ الحاجة ميرفت ابتسمت وقالت: المستقبل. ليلى فتحت الجواب ولقيت جوة ورق نقل ملكية وعقد أمانة، والمحامية إجلال قالتلها: الحاجة ميرفت نقلت ملكية شقة مصر الجديدة وعملتها وقف وعقد أمانة مدى الحياة.. وبعد عمر طويل، الشقة دي بتتنقل ملكيتها ليكي أنتِ رسمي وقانوني يا ليلى.

ليلى قامت وقفت وهي بتترعش: أنا مقدرش أقبل هدية بالحجم ده!

الحاجة ميرفت خبطت على الترابيزة خبطة واحدة وقالتلها بصوت حازم: اسمعيني.. ابني كان عايز الشقة دي عشان تمنها وفلوسها.. أنتِ عملتِ منها بيت وسكن لما مكنش فيها غير الوجع والكسرة.. سيبيني اختار وأعمل الصح لآخر مرة في عمري. التلات كلمات دول قفلوا أي نقاش.. ليلى مسكت إيد الحاجة ميرفت وباستها وهي بتعيط في سكات: كتر خيرك وشكراً ليكي يا أمي. الحاجة ميرفت ابتسمت وقالت: بنتي الغالية.

جابر رجع ظهر تاني مرة واحدة بعد تلات سنين من ليلة عربية الإسعاف؛ كان باين عليه الكبر والعجز، وعينه مطفية وتعبانة وفيها نبرة انكسار وهدوء بعد ما قضى عقوبة حبس قصيرة في قضايا النصب المالي والاختلاس وخرج يقضي فترة المراقبة مع إلزامه برد المبالغ. وصل مركز دار الشفاء ومكنش معاه ورد ولا محامي ولا بوسي. ليلى لمحته الأول وهي واقفة في صالة المدخل الرئيسية وقامت واقفة في الممر بين جابر وبين الأوضة جوة من غير ما تفكر.

جابر وقف مكانه وقال بصوت واطي: أنا مش جاي أعمل مشاكل ولا جاي أتخانق والله.. جاي أطلب منها بس لو ترضى تشوفني وتقابلني لدقيقتين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *