مديري أخذني إلى حفل فاخر لجلب المستثمرين… وانتهى به المطاف يرقبني وأنا صاعدة إلى سيارة أشد رجال الليلة نفوذاً. قبل ثلاثين دقيقة من انطلاق حفل رجال الأعمال الأهم هذا العام، وقف مديري، عامر الفارس، أمام مكتبي قائلاً: — "ميا"، ألغي جميع ارتباطاتكِ. أنتِ قادمة معي الليلة. لم أكن أعلم حينها أنه بعد ساعات قليلة، سينظر إليّ هذا الرجل وكأنه اكتشف للتو أنني أخدعه منذ أشهر. كانت شركة عامر، "مؤسسة الفارس"، على شفا الهاوية والانهيار. لم نكن حتى من المدعوين إلى الحفل في الأصل، ولكن إحدى الشركات اعتذرت في اللحظات الأخيرة، فقلب عامر الدنيا رأساً على عقب ليقتنص فرصة التواجد. لم تكن الليلة بالنسبة له مجرد حفلة، بل كانت طوق النجاة الأخير لإنقاذ ما تبقى من مجد عائلته. قبل دخول الفندق، عدّل ربطة عنقه للمرة الثالثة وقال: — هذه الليلة قد تغير مستقبلنا بالكامل. أومأتُ برأسي تأييداً، وأنا أحمل في حقيبتي العقود والأرقام وعرضين استثماريين جاهزين. لكن ما إن قدمي وطأت القاعة، حتى نسيت كل شيء. على الطرف الآخر من القاعة، رأيت شخصاً أعرفه أكثر من اللزوم. إياس المقرن. الرئيس التنفيذي لـ "مجموعة المقرن"، الرجل الذي يُطلق عليه "الملك ميداس" لشدة نجاحاته المالية، والشخص الذي يلهث الجميع للوصول إليه... وكان أيضاً: أخي الأكبر. تتبع عامر نظراتي وقال: — هذا هو إياس المقرن. يقولون إن كل مشروع يلمسه يتحول إلى ذهب. لو نصل إليه لخمس دقائق فقط... ابتلعتُ ريقي بصعوبة. لقد حرصت عائلتي على إبقاء هويتي بعيدة عن الأضواء لسنوات، وكنت أتجنب الظهور في المناسبات العامة منذ طفولتي حتى لا يربط أحد بيني وبين آل المقرن. وفي "مؤسسة الفارس"، كان الجميع يعتقدون أنني مجرد "ميا"، سكرتيرة حديثة التخرج. وكنت أريد للوضع أن يستمر هكذا. حاولت التدخل: — أستاذ عامر، الأستاذ هاني هناك، وهو هدفنا الأساسي الليلة. لكن عامر كان قد حسم أمره بالفعل والتفت إليّ قائلاً: — ألم تسمعي من قبل أن الحظ يبتسم للشجعان؟ — هل تفكر حقاً في طلب المال من إياس المقرن؟ — إن رفضني، فعلى الأقل سيعرف اسمي. يا للروعة! مديري يريد الاستثمار، وأخي مصاب بعقدة "الأخ الأكبر المحامي" بشكل مرضٍ... ما الذي قد يمر بسلام الليلة؟ عندما اقتربنا، رآني إياس على الفور، وتغيرت ملامح عينيه. وجهتُ له نظرة توسل خاطفة: لا تعرفني! لحسن الحظ، فهم الرسالة. مدّ عامر يده قائلاً: — أستاذ إياس، أنا عامر الفارس من "مؤسسة الفارس"، وهذه ميا، سكرتيرتي. قلت بأكثر ابتسامة مهنية أملكها: — تشرفت بلقائك أستاذ إياس، لقد سمعت الكثير عنك. أمسك أخي بيدي وابتسم ابتسامة خبيثة: — الآنسة ميا على قدر كبير من الجمال. كدت أطأ قدمه بحذائي ذي الكعب العالي! ألا يرى المديري الفارع الذي يقف بجانبي؟ ساد الصمت عامر بشكل غريب، قبل أن يلتفت إليه إياس أخيراً: — الفارس... لقد عرفت والدك من قبل، ووالدي أجرى معه بعض الصفقات منذ سنوات طويلة. شعرت بتوتر عامر. كانت عائلة الفارس ذات نفوذ واسع فيما مضى، ولم يتبقَ منها الآن سوى شركة صغيرة وجبل من الديون على كاهل عامر. لذا قررت التدخل للمساعدة: — أستاذ إياس، نحن نعمل على مشروع سياحي قرب "بحيرة البحور"، وربما يهمك الاطلاع عليه. التفت عامر إليّ بنظرة كانت تصرح بوضوح: هل طلبتِ الاستثمار للتو من أصعب رجل في هذه القاعة دون مقدمات؟! نظرتُ إليه بنفس الثبات؛ فهو من قال قبل قليل إن علينا أن نكون شجعاناً. ولدهشتي، أجاب إياس: — أرسلوا لي العرض. أضاءت عينا عامر بالأمل، لكن بقية الليلة بدأت تأخذ منحيات مريبة. كلما اقترب عامر مني للتحدث، كان إياس يظهر فجأة. وعندما قدم لي عامر مشروباً، قطم إياس حاجبيه. وحين جعلت برودة التكييف جسدي يرتجف، فقد أخي السيطرة تماماً؛ خلع سترته ووضعها على كتفيّ قائلاً: — ارتديها، أنتِ تمرضين دوماً عندما تبردين. ساد الصمت في القاعة لثانية كاملة. تجمدتُ في مكاني، وتجمد إياس أيضاً؛ لأنه قال للتو كلمة "دوماً". نظر عامر إلى السترة الملقاة على كتفيّ، ثم إلى إياس، ثم التفت إليّ. نظرة مظلمة غامضة مرت بعينيه وقال: — يبدو أن الأستاذ إياس يعرف سكرتيرتي جيداً. أجبتُ بسرعة مفرطة: — ليس كثيراً! سعل إياس متداركاً: — لدي ذاكرة قوية فقط. بمعجزة ما، نجونا مما تبقى من الحفل. وعندما انتهى، تلقى عامر مكالمة عاجلة وأخبرني أنه يمكنني المغادرة. انتظرتُ حتى غادر، ثم نزلتُ إلى كراج السيارات من باب جانبي حيث كانت تنتظرني سيارة مرسيدس سوداء. فتحتُ الباب الخلفي وقلت: — إياس، كدت تُفسد كل شيء! أجابني: — أنا؟ هذا الفارس ينظر إليكِ بأكثر مما ينبغي! — إنه مديري! — تماماً، وهذا هو السبب. قلبتُ عيني وصعدت. وقبل أن يُغلق الباب، سمعتُ صوتاً خافتاً خلفي: — ميا؟ تجمد جسدي بالكامل. التفتُ ببطء لأجد عامر يقف على بعد أمتار قليلة. كان قد عاد للبحث عني. تحولت نظراته مني... إلى سيارة إياس المقرن... وأخيراً إلى السترة التي ما زلت أرتديها. شحب وجهه وتراجع الدم منه: — إذاً... هكذا إذن... — أستاذ عامر، يمكنني الشرح! لكن عامر أطلق ضحكة خافتة ومريرة: — بالطبع. نظر نحو المقعد الذي يجلس فيه إياس، ثم أعاد نظره إليّ. وللمرة الأولى منذ عملي معه، رأيتُ مديري يفقد أعصابه كلياً. قال بنبرة حادة: — غداً في الصباح الباكر، أريد أن أعرف بالتفصيل طبيعة العلاقة التي تجمعكِ بـ إياس المقرن. فتحتُ فمي لأتكلم، لكن إياس أنزل زجاج النافذة في تلك اللحظة بالذات وقال بثبات: — لا أعتقد أن علاقتي بـ "ميا" تعنيك في شيء. تغيرت ملامح عامر تماماً، وعرفتُ حينها أننا حولنا مجرد سوء فهم بسيط... إلى حرب معلنة. الجزء الثاني كان مديري يعتقد أنني المرأة السرية لملياردير طوال الطريق إلى البيت، لزمتُ الصمت التام. أما إياس، فكان على العكس تماماً، يبدو عليه الرضا بشكل غير مفهوم! — "لماذا تبدو بهذا الوجه؟" — "أي وجه؟" — "وجه من أضرم حريقاً للتو وشاعرٌ بالفخر!" ابتسم أخي وهو يتصفح الرسائل في هاتفه: — "لم أضرم شيئاً، فقط ذكّرت مديركِ بأنه يتجاوز حدوده." — "لقد قلت له إن علاقتنا لا تخصه!" — "أليست هذه هي الحقيقة؟" — "إياس!" — "ميا." نطق اسمي بنفس النبرة التي كان يستخدمها منذ أن كنتُ في العاشرة من عمري وأحاول إقناعه بأن تركي أخرج بمفردي بعد منتصف الليل فكرة ممتازة. خنعتُ، وخلعتُ سترته وألقيتها عليه: — "غداً عليّ مواجهة عامر بسببك." — "يمكنكِ الاستقالة." — "لا أريد الاستقالة." — "إذن اشترِ الشركة." نظرتُ إليه بأعين متسعة: — "عفواً؟" رفع إياس رأسه بمنتهى الهدوء: — "إن كان يعجبكِ العمل هناك إلى هذه الدرجة، أستطيع شراء "مؤسسة الفارس" وإعطاؤها لكِ." وضعتُ يدي على جبهتي. هذه هي المشكلة بالضبط في النشأة داخل عائلتنا؛ بالنسبة لهم، أي عقبة يمكن حلها بحوالة بنكية! لقد بدأتُ العمل خارج إمبراطورية آل المقرن لأنني أردتُ اكتشاف من أكون بعيداً عن اسم عائلتي. أردتُ أن أخطئ، أن أتعلم، أن يوبخني مدير، أن أتقاضى أجرِي بجهدي، وقبل كل شيء، أن أثبت لنفسي أنني قادرة على بناء شيء ما دون أن يحني الجميع رؤوسهم لمجرد سماع لقبي. — "لا أريدك أن تشتري شيئاً." — "الشركة تعاني من مشاكل خطيرة." — "أعلم." — "وعامر رجل يائس." — "أعلم ذلك أيضاً." أعاد إياس هاتفه إلى جيبه وقال: — "إذن عليكِ أن تعلمي أن اليأس يجعل الناس خطرين." ضحكتُ: — "عامر ليس خطيراً." حدق أخي فيّ بثبات: — "هل يعجبكِ؟" سقط السؤال عليّ كالصخرة: — "ماذا؟" — "سألتكِ: هل يعجبكِ؟" — "إنه مديري." — "هذا ليس جواباً على سؤالي." التفتُ نحو النافذة، وكانت أضواء المدينة تتسارع خلف الزجاج: — "ليلة سعيدة يا إياس." — "لم نصل بعد." — "أنا أنهاء المحادثة." سمعته يضحك، لكنه لم يصرّ على المتابعة. وكان ذلك، بالنظر إلى طبيعة أخي، يسوء أكثر! لأن هذا يعني أنه قد وصل بالفعل إلى استنتاجاته الخاصة. في الصباح التالي، وصلتُ إلى المكتب قبل موعدي بعشرين دقيقة. كان عامر هناك بالفعل! ليس فقط هناك، بل كان يجلس خلف مكتبه وأمامه كابان من القهوة لم يُمسا بعد؛ أحدهماسوداء، والآخر بحليب الشوفان وملعقة من الفانيليا... قهوتي المفضلة. وقفتُ عند الباب: — "صباح الخير." — "أغلقي الباب." أطعتُ أمره. كان عامر يرتدي قميصاً أبيض أنيقاً، لكن أكمامه كانت مشمّرة وله هالات سوداء تحت عينيه، وكأنه لم يذق طعم النوم. — "اجلسي." جلستُ. وساد بيننا صمت لا يطاق. أخيراً، دفع كوب القهوة نحوي: — "منذ متى؟" — "منذ متى ماذا؟" تشنجت عضلات فكّه: — "منذ متى وأنتِ مع إياس المقرن؟" استغرقتُ عدة ثوانٍ لأستوعب السؤال، وحينها فقط فهمت! لم يكن يعتقد أن إياس صديق، ولا حتى مجرد معارف... كان مديري يعتقد أنني العشيقة السرية لأخي بنفسه! اضطررتُ إلى عضّ باطن خدي لمنع نفسي من الضاحك. — "أستاذ عامر..." — "خارج هذا المكتب، يمكنكِ صداقتي بـ "عامر"." فاجأني ذلك. لقد عملتُ معه لمدة تسعة أشهر ولم يطلب مني ذلك قط. — "عامر، أنت تفهم الأمر خطأ." — "إذن ساعديني لأفهمه صح." كان ينظر إليّ بحدة مريكة: — "بالأمس، أكثر رجل لا يمكن الوصول إليه في الحفل عرَفَكِ من أقصى القاعة، وطرد كل من كان يتحدث معهم بمجرد أن رآكِ، وأعاركِ سترته دون أن تسأليه وكان يعلم أنكِ تمرضين من البرد، ثم صعدتِ إلى سيارته!" صمت لبرهة ثم تابع: — "وعندما سألتُ عن طبيعة علاقتكما، أجابني وكأنني أتجاوز خطاً أحمر!" حسناً... إن وُضع الأمر بهذه الطريقة، فهو يبدو سيئاً للغاية! — "ليس بيننا العلاقة التي تتخيلها." — "وما هي العلاقة التي أتخيلها؟" رفعتُ رأسي: — "لن أصفها لك." ولأول مرة، بدا عامر محرجاً، وشخص ببصره بعيداً: — "هذا ليس من شأني." — "بالضبط." — "لكنه يصبح من شأني إذا كان يؤثر على الشركة." آه! ها هو المدير يظهر من جديد. — "هذا لا يؤثر على الشركة." — "إياس المقرن وافق على مراجعة عرضنا بعد التحدث معكِ لأقل من خمس دقائق!" — "ربما أعجبه المشروع." أطلق عامر ضحكة خالية من الفكاهة: — "ميا، أنا أحاول منذ ثلاث سنوات الحصول على اجتماع مع صناديق استثمارية أقل أهمية بكثير من "مجموعة المقرن"." لم أرد. فتابع: — "أريد معرفة شيء واحد فقط: هل وافق على الاستماع إلينا بسبب المشروع... أم بسببكِ أنتِ؟" هذا السؤال آلمني بحق: — "هل تعتقد أننا لم نقم بعمل جيد؟" — "لم أقل ذلك." — "لكنك تقصده!" وقفتُ مغاضبة: — "لقد أمضينا أسابيع في إعداد تلك الأرقام، وراجعتُ العقود حتى الثانية صباحاً، وأعددنا التوقعات ودراسات السوق وتحليلات المخاطر! إذا قرر إياس الاستثمار، فلن يكون ذلك لأنني ارتديتُ فستاناً جميلاً!" وقف عامر هو الآخر: — "لم أقصد ذلك." — "إذن لا تقله!" وقفنا وجهاً لوجه. وفجأة، تلينت ملامحه: — "ميا..." — "ماذا؟" — "لم أنم جيداً." رمشتُ بعيني. لم أكن أتوقع هذا الاعتراف. — "وهذا ليس خطأي أيضاً." — "بل هو خطؤكِ على الأغلب." دق قلبي بدقة غير منتظمة: — "ماذا يعني ذلك؟" صمت عامر. وفي تلك اللحظة، بدأ هاتف مكتبه يرن. لم يتحرك أحد منا، ورن الهاتف مجدداً. أخيراً، رفعت عامر السماعة: — "الفارس معك." تغيرت ملامحه: — "نعم." نظر إليّ: — "فهمت." صمت، ثم قال: — "سنكون هناك هذا بعد ظهر اليوم." أغلق الخط. — "ماذا حدث؟" كان عامر لا يزال غير مصدق: — "مجموعة المقرن تريد عرضاً تقديمياً رسمياً!" اختفى غضبي فوراً: — "حقاً؟" — "في الساعة الثالثة." ابتسمتُ دون أن أستطيع السيطرة على نفسي: — "أخبرتكَ أنه سيهتم!" تأملني عامر لثوانٍ: — "نعم." — "ماذا؟" — "لا شيء." — "عامر!" — "أحاول فقط أن أقرر ما إذا كان عليّ أن أكون سعيداً لأننا سننقذ الشركة، أم قلقاً لأن الرجل الذي قد ينقذها يبدو مهتماً أكثر من اللازم بسكرتيرتي!" — "عدنا إلى ذلك مجدداً!" — "أنا أحاول التعامل مع الأمر!" في الساعة الثانية والنصف، دخلنا المقر الرئيسي لـ "مجموعة المقرن". كنتُ قد زرتُ هذا المكان مئات المرات، لكنني عادةً ما أصل عبر موقف السيارات الخاص، أما هذه المرة فدخلتُ من الاستقبال كأي زائر. طلبت موظفة الاستقبال هوياتنا. وعندما رأت هويتي، تجمدت في مكانها: "ميا المقرن". اتسعت عينان الموظفة، فوضعتُ إصبعي بسرعة على شفتيّ. لقد عرفتني بالطبع، فهي تعمل منذ سنوات لدى عائلتي. ولحسن الحظ فهمت الإشارة: — "أستاذ عامر، آنسة... ميا، الأستاذ إياس بانتظاركم." لم يلاحظ عامر أي شيء. صعدنا إلى الطابق السابع والثلاثين. في غرفة الاجتماعات كان هناك إياس، ونائبان للرئيس، والمدير المالي. كان أخي يبدو مهنياً للغاية؛ لا نظرات غريبة، ولا ابتسامات، ولا شيء. فاسترخيتُ. بدأ العرض التقديمي. تحدث عامر لمدة أربعين دقيقة دون أن ينظر إلى ورقة واحدة! كان بارعاً، وأفضل بكثير مما يتخيل الناس. شرح كيف سيحولون أرضاً مهجورة قرب "بحيرة البحور" إلى منتجع سياحي مستدام، وكيف سيشغلون الموردين المحليين، وكيف يستردون الاستثمار في غضون ست سنوات. عندما انتهى، شبك إياس يديه: — "هناك مشكلة." تصلبت ملامح عامر: — "ما هي؟" — "شركتكم مثقلة بالديون بشكل كبير." — "نعلم ذلك." — "والتدفق النقدي لديكم لن يتحمل سنة أخرى مثل السابقة." لم يرمش عامر: — "ولهذا السبب نبحث عن رأس مال." — "رأس المال لا يحل سوء الإدارة." ضغطتُ على أصابعي تحت الطاولة. كنتُ أعلم ما يفعله إياس؛ كان يختبره. وعامر فهم ذلك أيضاً: — "لو كنتُ أرى أن الأمر يتعلق بسوء إدارة يا أستاذ إياس، لما جئتُ إلى هنا." رفع إياس حاجبيه: — "والدك ترك شركة بأصول تزيد قيمتها عن مائة وعشرين مليوناً، وأنت تدير الآن شركة تساوي أقل من عشر ذلك المبلغ!" ساد الصمت الغرفة. كان هذا قسوة من إياس! لكنني أعلم القصة؛ والد عامر قام باستثمارات كارثية، وتراكمت عليه ديون خفية، وباع أملاك العائلة قبل وفاته. عامر ورث الكارثة، ولم يصنعها! — "والدي ترك أيضاً التزامات يقارب مبلغها المائة وخمسين مليوناً،" رد عامر بهدوء شديد، "وفي غضون ثلاث سنوات صفّيتُ سبعين بالمائة منها دون أن أعلن إفلاسي، وحافظتُ على مائة وثمانين موظفاً، ومنعتُ بيع آخر قسم رابح لدينا." نظر إليه إياس: — "هذا لم يكن مذكوراً في التقرير." — "لأنني لا أبحث عن الثناء لتنظيف الفوضى التي تركتها عائلتي." تحت الطاولة، كدتُ أبتسم. ممتاز! ممتاز جداً! وإياس لاحظ ذلك أيضاً فقال: — "واصل." خلال العشرين دقيقة التالية، أجاب عامر على كل سؤال. لم يدافع عن نفسه بكبرياء، ولم يبالغ. وعندما كان لا يعلم شيئاً، كان يعترف بذلك، وعندما يكتشف مخاطرة، كان يشرحها. في النهاية، أغلق إياس المجلد: — "ستُمول مجموعة المقرن المرحلة الأولى." تجمد عامر: — "وبأي شروط؟" — "ثلاثون بالمائة من المشروع." — "اثنان وعشرون." — "ثمانية وعشرون." — "أربعة وعشرون." ابتسم أخي: — "خمسة وعشرون بالمائة، ومقعد مراقب في مجلس الإدارة." مد عامر يده: — "اتفقنا." كنتُ سعيدة جداً لدرجة أنني كدتُ أحتضنه! لكنني ضبطتُ نفسي. ثم أضاف إياس: — "بشرط إضافي واحد." سحب عامر يده ببطء: — "ما هو؟" نظر أخي إليّ، وشعرتُ بشعور سيئ للغاية. — "الآنسة ميا ستكون صلة الوصل المباشرة بين مؤسسة الفارس ومجموعة المقرن." أغلقتُ عينيّ... بالطبع! — "هذا ليس ضرورياً،" قلتُ بسرعة. — "بالنسبة لنا، هو ضروري." نظر عامر إلى إياس، ثم نظر إليّ: — "قبلنا." انتهى الاجتماع، وخرج التنفيذيون. تلقى عامر مكالمة من القسم القانوني وابتعد نحو الممر، فبقيتُ بمفردي مع إياس. — "ماذا تفعل؟" استند أخي إلى الطاولة: — "أستثمر." — "كان بإمكانك اختيار أي شخص ليكون صلة وصل!" — "خترتكِ أنتِ." — "تريد أن تراقبني!" — "وهذا أيضاً." — "إياس!" — "المشروع جيد يا ميا." فاجأني ذلك: — "حقاً؟" — "نعم." — "إذن لماذا كنت قاسيًا جداً مع عامر؟" — "أردتُ معرفة ما إذا كان كفؤاً." — "وماذا استنتجت؟" ابتسم أخي بقلة حيلة: — "للأسف، نعم، هو كفؤ." — "للأسف؟" — "هذا يعني أن أسبابي لإقناعكِ بالاستقالة أصبحت أقل الآن." قبل أن أتمكن من الرد، فُتح الباب. كان عامر يقف هناك. لا أعلم كم سمع من كلامنا، لكن من ملامح وجهه، يبدو أنه سمع الكثير! — "تقنعيها بالاستقالة؟" لم يرمش إياس: — "محادثة شخصية." — "أرى أن لديكم الكثير منها!" — "عامر،" تدخلتُ مسرعة. — "علينا العودة،" قال بصوت بارد جداً. طوال طريق المصعد لم يتحدث. وعندما وصلنا إلى موقف السيارات، انفجر أخيراً: — "هل طلب منكِ المقرن الاستقالة؟" — "نعم." — "لماذا؟" — "لأنه شخص لا يُطاق!" — "ميا!" — "عامر!" التفت إليّ: — "أنا أحاول أن أثق بكِ!" تلك الجملة أغضبتني: — "تثق بي؟ نحن لسنا متزوجين!" بمجرد أن نطقتُ بها، ساد بيننا صمت مطبق. خطى عامر خطوة نحوي: — "أعلم." كان قريباً جداً... — "إذن توقف عن التصرف كحبيب غيور!" سقطت نظراته على شفتي وقال: — "ربما تكون هذه هي المشكلة." تلاشى الهواء من حولي: — "ماذا؟" فتح عامر فمه ليتكلم، لكن هاتفي رن. كان إياس. نظرتُ إلى الشاشة، ونظر عامر إليها أيضاً، فغلقت ملامحه فوراً: — "أجيبي." — "لا." — "قد يكون أمراً هاماً." — "على الأغلب يريد معرفة ما إذا كنتُ قد تناولتُ طعامي!" قطم عامر حاجبيه: — "هل يتصل بكِ إياس المقرن ليسألكِ إن أكلتِ؟" — "نعم!" — "وما زلتِ تتوقعين مني أن أصدق أنه لا يوجد شيء بينكما؟" فقدتُ أقصى درجات صبري وصصرختُ: — "إنه أخي!" صمت... صمت مطلق! نظر إليّ عامر وكأنني تحدثت بلغة فضائية للتو! — "ماذا قلتِ؟" توقف عقلي... تبأ! لـ تسعة أشهر وأنا أحمي هويتي، وها أنذا أدمّر كل شيء فقط لأن مديري يغار! — "لا شيء." — "قلتِ إن إياس المقرن هو أخوكِ!" — "سمعتَ خطأ." — "نحن بمفردنا في موقف السيارات يا ميا!" أغلقتُ عينيّ: — "عدني أنك لن تصرخ." — "ولماذا أصرخ؟" أخرجتُ هويتي من حقيبتي وسلمتها له: "ميا إبراهيم المقرن". نظر عامر إليها، ثم نظر إليّ، وأعاد النظر إلى البطاقة: — "المقرن؟" — "نعم." — "المقرن مثل..." — "مثل إياس المقرن." — "وإبراهيم المقرن؟" — "والدي." استند عامر إلى سيارته. ولعدة ثوانٍ ظننتُ أنه سيغمى عليه! — "أنتِ تعملين لديّ منذ تسعة أشهر..." — "نعم." — "مقابل أربعة آلاف وثمانمائة دولار شهرياً..." — "مع البدلات." نظر إليّ: — "عائلتكِ تملك عدة مليارات!" — "هذا ليس ذا صلة!" — "بل هو صلب الموضوع!" — "اخفض صوتك!" — "أنا بالأمس ظننتُ أنكِ على علاقة بأخيكِ!" وضعتُ يدي على فمي، ورغم كل شيء، بدأتُ أضحك! أمرّ عامر يديه خلال شعره: — "يا إلهي..." — "أخبرتكَ أنك تفهم الأمر خطأ." — "لم تقولي "إنه أخي"!" — "لم أكن أستطيع." — "لماذا؟" اختفت الضحكة من وجهي: — "لأنني أردتُ أن يُعاملوني كـ "ميا"، وليس كـ فرد من آل المقرن. عندما يعلم الناس من هي عائلتي، يتغيرون؛ الأساتذة، الزملاء، الأصدقاء... الجميع يتغيرون. البعض يصبح لطيفاً بشكل مبالغ فيه، والبعض يكرهني دون أن يعرفني، والبعض يبدأ في طلب الخدمات." تنفستُ بالعمق وتابعت: — "أردتُ العمل في مكان تكون فيه أخطائي ملكي أنا، حيث لا يحل اسم عائلتي أي شيء." نظر عامر إلى هويتي بنظرات خافضة: — "ولماذا شركتي بالذات؟" — "لأنك كنتَ توظف." — "هناك عشرة آلاف شركة توظف!" هززتُ كتفي: — "في المقابلة، قلتَ لي إن سريتي الذاتية متواضعة جداً." بدا مرتعباً: — "كانت متواضعة بالفعل!" — "بالضبط! لم يتحدث معي أحد هكذا من قبل." — "ميا..." — "ثم وظفتني لأنك قلتَ إنني أتعلم بسرعة، وليس لأنك صديق لوالدي، ولا لأنك تريد شيئاً من إياس." سكت عامر. — "لهذا السبب بقيتُ." أعاد إليّ الهوية أخيراً: — "لن أقول لأحد." — "شكراً." — "لكن عليّ أن أسألكِ سؤالاً واحداً." — "تفضل." اقترب مني: — "هل استثمر إياس من أجلكِ؟" فكرتُ قليلاً: — "وافق على الاجتماع من أجلي..." رأيتُ الخيبة في عينيه، فأضفتُ فوراً: — "لكنه استثمر من أجلكَ أنت! أخي لن يوقع أبداً على خمسة وعشرين بالمائة بدافع الإحسان. لو كان يعتقد أنك ستفشل، لرفض المشروع حتى لو ترجيته جائعة." ظهرت ابتسامة بطيئة على شفتيه: — "هذا يساعد." — "جيد." — "وهناك شيء آخر يساعد أيضاً." — "ما هو؟" — "معرفة أنكِ لا تواعدين إياس المقرن!" حدقتُ فيه بثبات: — "ولماذا يهمك الأمر إلى هذا الحد؟" — "أعتقد أنكِ تعرفين لماذا." بدأ قلبي ينبض بسرعة كبيرة: — "أفضل أن أسمعها منك." وقف عامر أمامي. هذه المرة لم يكن هناك هاتف، ولا أخ، ولا شركاء. — "لأنني واقع في حبكِ." حبستُ أنفاسي. — "منذ أشهر." — "أشهر؟" — "منذ ما قبل الحفل." — "لم يكن يبدو عليك ذلك!" — "أنا مديركِ، لم يكن يحق لي تحويل عملكِ إلى شيء مزعج." فجأة، بدأت الأمور تتضح في عقلي: القهوة، العشاء بعد ساعات العمل الإضافية، تذكره الدائم لمواعيد العروض الهامة، وإصراره على توصيلي بنفسه عندما نتأخر... كنتُ أعزو كل ذلك إلى كون عامر مديراً طيباً، ولكن ربما كان أكثر من ذلك! — "والآن، هل يحق لك؟" — "لا." كان رده فورياً: — "لكن الآن وقد علمتُ أنكِ لستِ مرتبطة، استطعتُ قولها لمرة واحدة. إن لم تكن لديكِ نفس المشاعر، فلن أذكر الأمر مجدداً أبداً." تلك جدية أربكتني: — "وماذا إن كنتُ أشعر بنفس الشيء؟" توقف عامر عن التنفس. ولم يكن بحاجة لدعوة أخرى... قبلني. مرة واحدة، بهدوء، وكأنه يخشى أن أندم. وعندما ابتعد، رن هاتفي مجدداً... إياس! نظر عامر إلى الشاشة: — "أخوكِ لديه موهبة خارقة في الظهور في أسوأ الأوقات!" أجبتُ: — "ماذا تريد؟" — "هل أكلتِ؟" نظرتُ إلى عامر فبدأ يضحك. — "نعم." — "مع من أنتِ؟" — "مع عامر." صمت... — "افتحي المكبر." — "لا." — "ميا!" — "ليلة سعيدة يا إياس." أغلقتُ الخط. وكان عامر يبدو مسروراً جداً: — "أعتقد أنه كرهني للتو!" — "هو لا يعلم بعد أنك قبّلتني!" تلاشت ابتسامته: — "آه..." — "حظاً موفقاً مع ذلك!" لم تبدأ علاقتنا فوراً؛ فقد أصررتُ على أنني لا أستطيع مواعدة مديري بينما أعمل تحت إمرته المباشرة، ووافقني عامر. لذا، عندما دخلت "مجموعة المقرن" في المشروع، تم نقلي رسمياً إلى فريق التطوير كمنسقة مستقلة. ارتفع رواتبي، وقال إياس إنه ما زال سخيفاً ومنخفضاً! وقال والدي إنه فخور بي، وأرادت أمي التعرف على عامر فوراً. أما عامر... فقد حاول التظاهر بأن فكرة العشاء مع عائلتي لا ترعبه، لكنه فشل فشلاً ذريعاً! — "والدكِ يظهر في قائمة أثرى أثرياء المنطقة!" — "وهو أيضاً يشخر على الأريكة أثناء مشاهدة المباريات!" — "هذا لا يساعد!" — "وأمي تطبخ معكرونة سيئة جداً." — "ميا!" — "إياس هو الخطر الحقيقي الوحيد." — "هذا ما أصدقه فعلاً!" تحدد موعد العشاء في الأحد التالي. وصل عامر يحمل زهوراً لأمي وزجاجة من العصير الفاخر لوالدي. فتح إياس الباب: — "الفارس." — "المقرن." — "تأخرت أربع دقائق." — "كان هناك ازدحام." — "لو كنتُ مكانك لخرجتُ مبكراً." صرختُ من الداخل: — "إياس، دعه يدخل!" تنحى أخي جانباً: — "أريد فقط أن أوضح أنني لا أحبه." ابتسم عامر: — "الشعور متبادل على ما يبدو!" بداية سيئة! خلال العشاء، سأل والدي عن الأعمال، وسألت أمي عن طفولة عامر، بينما كنتُ أحاول منع إياس من إجراء تحقيق شرطي! لكن ذلك لم ينجح: — "كم علاقة جادة حظيت بها؟" — "إياس!" — "اثنتان." — "ولماذا انتهتا؟" — "عدم توافق." — "هل خنتَ يوماً؟" — "لا." — "هل لديك سجل جنائي؟" — "يا إلهي!" وضع عامر شوكته: — "مخالفة سرعة عندما كنتُ في التاسعة عشرة." ضيق أخي عينيه: — "كم كانت السرعة؟" — "ثلاثين كيلومتراً فوق الحد." — "غير مسؤول!" قال والدي: — "إياس، عندما كنت في التاسعة عشرة حطمتَ سيارتي الـ بورش!" غصصتُ بالضحك! وحطّ عامر رأسه ليخفي ابتسامته، بينما لزم إياس الصمت. تحسن العشاء بعد ذلك حتى وصلنا إلى التحلية، حين سأل والدي: — "ما هي نيتك تجاه ابنتي؟" — "بابا!" — "سؤال مشروع." نظر عامر إلى والدي أولاً، ثم نظر إليّ: — "ليس لدي نية للاستعجال..." لانت دقات قلبي. — "...لكن لدي كل النية للبقاء طالما هي تريدني أن أبقى." ساد الصمت الطاولة. ابتسمت أمي، وأومأ والدي برأسه. أما إياس... فتنهد تنهيدة رجل خسر المعركة للتو! — "ما زلتُ لا أحبك،" قال إياس لـ عامر. — "ولا أنا." — "ممتاز." — "لكنك أقل سوءاً مما توقعت." — "هذه تعتبر بركة قادمة منك!" تحت الطاولة، أمسكتُ بيد عامر. بعد ستة أشهر، بدأ بناء مشروع "بحيرة البحور". وخرجت "مؤسسة الفارس" أخيراً من منطقة الخطر. وبعد عام، عادت للربحية من جديد. لم يستخدم عامر أموال مجموعة المقرن لسد الثغرات، بل أعاد هيكلة الديون، وباع الأصول غير المنتجة، وعيّن مدرين أفضل، وأعاد المكافآت المتأخرة للموظفين الذين ينتظرونها منذ سنوات. رأيتُ ذلك الرجل يعيد بناء شيء ظن الجميع أنه مات، قطعة بقطعة. وفهمتُ حينها لماذا أحببته؛ ليس بسبب لقبه، ولا بسبب ما خسره، بل لأنه لا يهرب عندما تصبح الأمور صعبة. في ليلة جمعة، بعد ما يقارب عامين من ذلك الحفل، طلب مني عامر أن أرافقه إلى "بحيرة البحور". كان الفندق الرئيسي لا يزال قيد الإنشاء. جلستُ معه أمام البحيرة بينما الغروب يحل. — "هل تتذكرين أول مرة تحدثتِ فيها معي عن هذا المكان؟" سألني. — "بالتأكيد." — "ظننتُ أنكِ مجنونة!" — "لماذا؟" — "لأنكِ اقتربتِ من أكثر مستثمر مخيف في البلاد وقلتِ له ببساطة: "أهلاً، هل تريد وضع أموالك في مشروعنا؟"." ابتسمتُ: — "الأمر نجح!" — "لأنه كان أخاكِ!" — "لم تكن تعلم ذلك!" — "وهذا هو الأسوأ!" أخرج عامر شيئاً من جيبه، فتوقفتُ عن الابتسام. — "عامر..." جثا على ركبته: — "في أول مرة رأيتكِ فيها، ظننتُ أنكِ عنيدة جداً لتكوني سكرتيرة." — "يا لِـ الرومانسية!" — "دعيني أُكمل!" ضحكتُ بين دموعي. — "في المرة الثانية، ظننتُ أنكِ الشخص الوحيد في المكتب الذي يجرؤ على إخباري عندما أكون مخطئاً." — "هذا صحيح." — "ثم اكتشفتُ أنكِ ابنة إبراهيم المقرن، وأخت إياس المقرن، وربما المرأة الوحيدة التي يمكنها شراء شركتي دون الحاجة لقرض!" — "لا تبالغ!" — "صندوقكِ الاستثماري يمكنه شراؤها ثلاث مرات!" — "إياس أخبرك بذلك، أليس كذلك؟" — "نعم." — "سأقتله!" أمسك عامر بيدي: — "لكنني لم أقع في حب ميا المقرن أبداً..." تلاشت الابتسامة من شفتي. — "...أنا وقعتُ في حب "ميا"؛ المرأة التي كانت تجلب القهوة الرخيصة لاجتماعات تدوم ست ساعات، وتجادلني بشأن التوقعات المالية، وتبقى تعمل عندما يغادر الجميع." بدأت الدموع تتساقط من عينَيّ. — "أريد أن أستمر في مجادلتكِ للأربعين سنة القادمة... هل تتزوجينني؟" نظرتُ إلى الخاتم، ثم نظرتُ إليه: — "هناك مشكلة." انقبض وجه عامر: — "ما هي؟" — "أخي يقف خلف تلك الشجرة!" أغلق عامر عينيه: — "لا..." — "نعم!" — "قولي إنكِ تمزحين!" سُمع صوت غصن ينكسر، وهمس أحدهم: "أخبرتك ألا تطأ هناك!". ميزتُ صوت أمي! ثم ظهر والدي، وبعده إياس، وخلفهم اثنان من أصدقائنا! نظر عامر إليّ برعب، بينما كنتُ أضحك لدرجة أنني كدتُ لا أستطيع التنفس! — "هل نظمتِ هذا؟" — "أردتُ أن يكونوا قريبين بعد ذلك." — "بعد ذلك؟" — "احتفالاً!" — "وماذا لو قلتُ لا؟" — "لم أضع هذا الاحتمال في حسابي!" — "يا لك من مغرور!" — "إذن؟" مددتُ يدي: — "موافقة!" وضع عامر الخاتم في إصبعي وقبّلني بينما عائلتي تصفق. وبالطبع، أفسد إياس اللحظة: — "خمس ثوانٍ كافية جداً!" فصل عامر نفسه عني: — "عفواً؟" — "القبلة!" — "لقد تمت خطبتنا للتو!" — "ما زالت أختي!" — "وستصبح زوجتي!" — "لا تستغل حظك يا فارس!" نظرتُ إلى الرجلين الأكثر حماية لي في حياتي: — "هل ستستمران في هذا حتى تموتا؟" — "على الأغلب!" قالا في وقت واحد. تنهدتُ... لكنني ابتسمت. لأنني قبل عامين دخلتُ حفلاً متظاهرة بأنني لا أعرف أخي، وظن مديري بعدها أنني على علاقة سرية بأحد أثرى رجال البلاد، وكدنا ندمّر استثماراً بسبب الغيرة، وتكشّفت هويتي في موقف سيارات، والرجل الذي ورث شركة محكوم عليها بالانهيار أنهاها بإعادتها من الصفر! أحياناً أفكر في تلك الليلة؛ في سترة إياس على كتفيّ، وفي ملامح عامر وهو يراني أصعد إلى السيارة، وفي تلك الجملة: "أريد أن أعرف بالضبط طبيعة العلاقة التي تجمعكِ بـ إياس المقرن". لو قال لي أحد حينها إن هذا المدير الغاضب سينتهي به المطاف جائثاً على ركبته أمامي عند بحيرة البحور... لظننتُ أنه مجنون! لكن هناك قصص تبدأ بالضبط هكذا: بسوء فهم، بنظرة خاطئة، بشخصين يخفيان الكثير... وبأخ أكبر لا يستطيع البقاء بعيداً! إياس لم يتوقف قط عن مراقبة عامر، وعامر لم يتوقف عن استفزازه، وأنا لم أحضر حفل أعمال قط وأنا أظن أنها ستكون ليلة هادئة! لأنني تعلمتُ شيئاً هاماً: يمكنكِ إخفاء لقبكِ، ويمكنكِ إخفاء ثروتكِ، ويمكنكِ التظاهر بأنكِ لا تعرفين أخاكِ... لكن هناك شيء أصعب بكثير على الإخفاء: الطريقة التي ينظر بها إليكِ شخص وهو واقع في حبكِ. وعامر الفارس كان ينظر إليّ هكذا قبل أن أتمكن من رؤية ذلك بكثير. .. النهاية .. خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد