عودة الماضي – محمد نور

—إذن، قلتِ كل تلك الأشياء…

—كي لا تتبعني.

—قلتِ لي إنكِ تخجلين من اسم عائلتي.

—أعلم.

—وقلتِ إنكِ لم ترغبي أبدًا في الزواج مني.

—أعلم.

—وقلتِ إنكِ تفضلين الموت على العودة إليّ.

تكسر صوتي:

—أعلم!

مرر يده على وجهه:

—وأنا صدقتُكِ.

كان لهذا الم أعتى مما توقعت:

—كان هذا هو الهدف.

—وقد نجح.

وقفنا ينظر كل منا للآخر.

خمس سنوات من الغضب.

خمس سنوات من الصمت.

خمس سنوات بُنيت على كذبة حولناها كلينا إلى حقيقة.

انفتح الباب مجددًا.

ظهر نوح يحمل ديناصوره المحشو:

—هل انتهيتما من الشجار؟

التفت آسر نحوه، وتغيرت ملامحه على الفور:

—نحن نحاول ذلك.

مشى نوح ونزل بيننا:

—أنا جائع.

نظر آسر إليّ:

—ماذا يأكل عادة؟

—لن تبدأ بالتصرف كأب بعد عشر دقائق!

—لا، سأبدأ بالسؤال عما يريد عشاءً.

أجاب نوح قبلي:

—فطائر.

—الساعة التاسعة ليلاً.

—هذا لا يجيب على سؤالي —قال آسر.

نظرتُ إليه.

تلك الجملة… كانت بالظبط شيئًا قد يقوله هو.

ابتسم نوح.

وآسر كذلك.

ولثانية، رأيتُ شيئًا لم أسمح لنفسي بتخيله قط.

كلاهما معًا.

أب وابنه.

أورثتني الصورة سعادة غامرة تحولت على الفور إلى خوف.

لأنني أعرف شيئًا لا يزال آسر يجهله.

الوقت لم يكن في صالحنا.

في الصباح التالي، استيقظتُ على رائحة القهوة.

دخلت المطبخ لأجد آسر يحاول إعداد الفطائر.

كانت كلمة “يحاول” كرمًا مني.

كان الطحين على الطاولة.

والحليب على الأرض.

وفطيرة محترقة جزئيًا في المقلاة.

وكان نوح يجلس على الكرسي يراقبه بخيبة أمل احترافية.

—إنه لا يجيد الطبخ —أخبرني نوح.

—أرى ذلك.

قطم آسر حاجبيه:

—الوصفة خاطئة.

—إنها وصفة للأطفال.

—بالظبط!

—هل تلوم الوصفة؟

—أنا أحلل المتغيرات.

نظر إليّ نوح:

—يقول كلمات كثيرة حين يخفق في شيء.

اضطررتُ لتغطية فمي كي لا أضحك.

رمقني آسر بنظرة.

وللحظة، عدتُ في الخامسة والعشرين من عمري.

عدتُ إلى ذلك المطبخ الضئيل في شقتنا الأولى.

عدتُ إلى زمن كنا نستطيع فيه الجدال لنصف ساعة حول القهوة وننتهي بالتقبيل بجوار الثلاجة.

ثم شعرتُ بدوار.

استندتُ إلى الجدار.

رآها آسر:

—سارة؟

—أنا بخير.

دار العالم بي.

ما أذكره بعد ذلك كان ذراعيه:

—اجلسي!

—لستُ بحاجة…

—اجلسي!

هرع نوح ليجلب الماء.

أمسك آسر بمعصمي:

—متى كانت آخر وجبة تناولتها؟

—البارحة.

—وماذا أخذتِ؟

—أدويتي.

—لأجل ماذا؟

لم أجب.

—سارة!

—مرض الذئبة.

طرف بعينيه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *