عودة الماضي – محمد نور
أغلقتُ الخط.
كانت أقصر محادثة دارت بيننا.
وكانت الأخيرة أيضًا.
بعد شهرين، وجدنا متبرعة.
امرأة مسجلة في كندا.
تطابق ممتاز.
حين زفت لنا الطبيبة الخبر، أغلق آسر عينيه.
ظننتُ أنه يصلي.
لم أكن أعلم أنه يؤمن بشيء… ربما في تلك اللحظة لم يكن يعلم هو الآخر.
لم تكن الزراعة سهلة.
مرت أيام سيئة.
سيئة للغاية.
أيام لم أستطع فيها النهوض.
وأيام لم يكن بوسع نوح رؤيتي فيها إلا عبر الشاشة.
وأيام كان آسر ينام فيها جالسًا بجوار سريريري.
في إحدى الفجرات استيقظتُ لأجده وضع رأسه بجوار يدي.
كانت تحت عينيه هالات.
ولحيته أهملت لأيام.
بدا أكبر بعشر سنوات.
—آسر…
استيقظ على الفور:
—ماذا هناك؟
—لا شيء.
—أأنتِ في ألم؟
—لا.
—غثيان؟
—لا.
—إذن…
—أردتُ فقط المعرفة إن كنتَ لا تزال هنا.
نظر إليّ:
—نعم.
—يمكنك الذهاب للنوم في البيت.
—أنا بخير.
—أنت تكذب بشكل سيء.
ابتسم:
—تعلمتُ منكِ.
وللمرة الأولى منذ أشهر، ضحكتُ حتى أوجعتني أضلاعي.
كان التعافي بطيئًا.
لكنه جاء.
أولاً تحسنت التحاليل.
ثم استطعتُ المشي دون مساعدة.
ثم عدنا إلى الشقة.
كان نوح قد أعد لافتة:
“أهلاً بكِ يا أمي”.
وتحتها لافتة أخرى كُتبت بخط مرتجف:
“وأبي أيضاً”.
نظرتُ إلى آسر.
نظر هو إلى نوح:
—هل أعيش هنا أنا أيضاً؟
أجاب نوح:
—ليس بعد.
—آه.
—عليك طلب الإذن.
—فهمت.
ثم التفت نوح نحوي:
—هل يمكنه ذلك؟
غصصتُ بالماء.
كان آسر يستمتع بالأمر أكثر من اللازم.
—نوح…
—يمتلك بيتًا كبيرًا جدًا —تابع ابني— لكنه يقول إنه ممل.
نظرتُ إلى آسر:
—هل تتحدث مع طفل في الثالثة عن وحدتك؟
—سألني لمَ أملك كل هذه الغرف.
—هذا لا يجيب…
رفع نوح يديه:
—لا تتشاجرا!
ثم تنهد كطفل في الخمسين:
—الكبار صعبون جدًا!
بعد ستة أشهر من المقطع الذي بدأ كل شيء، عدنا إلى الشاطئ ذاته.
هذه المرة لم أصور شيئًا للإنترنت.
لم أرد غرباء يبدون آراءهم.
ولا تريندات.
فقط نحن.
كان نوح يركض قرب الماء.
وكان آسر يمشي بجواري.
—لدي شيء لكِ.
—إن كان عقدًا طبيًا آخر فسأتركك هنا.
—ليس طبيًا.
أخرج علبة صغيرة.
توقفتُ:
—آسر…
—ليس ما تظنينه.
—إنها علبة خاتم حرفيًا!
—نعم.
—إذن هي ما أظنه بالظبط!
فتحها.
في الداخل كان خاتمي القديم.
الذي أعدته له قبل خمس سنوات.
—احتفظتَ به؟
—لم أستطع رميه قط.
—هذا غير صحي إطلاقًا.
—ربما.
أمسكه بين أصابعه:
—لن أطلب منكِ الزواج مني.
—ألن تفعل؟