عودة الماضي – محمد نور
في الوقت الذي لزمت فيه مجموعة الشعلان الصمت التام، أصدرت عائلة “الآلوسي” بيانًا رسميًا.
فنشرت “سارة الآلوسي”، خطيبة آسر المعلنة، صورة تجمعهما معًا.
وكتبت: “كلنا بالغون، ولا يزعجني أن تكون لـ ‘آسر’ حبيبة سابقة.”
“لكن استغلال طفل للإيحاء بعلاقة لا وجود لها هو أمر آخر تمامًا.”
ثم أضافت جملة قلبت موازين الرأي العام في كل مكان:
“لقد انفصل آسر و’سارة’ قبل خمس سنوات.”
“والطفل عمره ثلاث سنوات.”
“فهل كانت حاملًا لمدة سنتين مثلًا؟”
تحولت التعليقات إلى سيل من القسوة.
نعتوني بالانتهازية.
والمطرودة التي يسكنها الغل.
والامرأة التي لا تستحي.
أما “نوح”، فقد وصفوه بالدعيّ.
أغلقتُ الهاتف وغمغمتُ بسبّة خفيفة تحت أنفاسي.
لو كان الأمر بيدي…
لكنتُ أول من يتمنى ألا تمتّ لنوح أي صلة بـ “آسر الشعلان”.
لم أكن أرغب في الارتباط بهذا الرجل مجددًا طوال حياتي.
وعندما التفتُّ، وجدتُ “نوح” واقفًا عند باب الغرفة.
يحمل كوبًا من الحليب.
وجهه الصغير كان شاحبًا، وشديد الجدية.
—أمي…
من نبرته، عرفتُ أنه على وشك أن يوبخني لأنني نطقْتُ بكلمة غير لائقة.
أخذتُ الحليب بسرعة، وأخرجتُ الأقراص التي يتوجب علي تناولها الليلة وابتلعتها دفعة واحدة.
—شكرًا يا حبيبي.. أمك متعبة قليلاً. تصبح على خير.
وتدثرتُ تحت اللحاف.
بقي “نوح” بجوار السرير.
ولعدة ثوانٍ لم ينطق بكلمة.
ثم سمعتُ صوته الصغير ينساب:
—أمي… لقد فعلتُ شيئًا.
فتحتُ عينيّ.
—ماذا فعلت؟
رفع “نوح” هاتفي القديم.
ذاك الذي كنت أظن أنه أُغلق تمامًا.
كانت هناك محادثة مفتوحة على الشاشة.
وفي الأعلى، ظهر اسمٌ لم تقع عليه عيني منذ خمس سنوات.
آسر الشعلان.
توقف قلبي عن النبض.
قال نوح ببراءة تامة:
—أرسلتُ له صورتي… وسألته إن كان هو أبي.
اعتدلتُ في جلستي فجأة:
—وماذا قال؟
نظر إليّ نوح وقال:
—قال إنه في الطريق إلينا الآن.
وفي تلك اللحظة بالذات…
دوى صوت جرس الباب.
الجزء الثاني
قرع الجرس مجددًا.
مرة.
ثم مرتين.
ثم ثلاثًا.
لم أكن بحاجة لمن يخبرني بمن يقف على الطرف الآخر من الباب.
كان “نوح” يرمقني والسمّاعة بين يديه، حائرًا أمام صمتي الذهول.
—أمي… هل أنتِ غاضبة؟
لم أستطع النطق بحرف.
طوال خمس سنوات، تخيلتُ مرارًا وتكرارًا ما الذي سيحدث لو ظهر “آسر” أمامي مجددًا.
في بعض السيناريوهات كان يتجاهلني.