عودة الماضي – محمد نور

وفي أخرى يسألني عن سبب فراري.

وفي أسوئها، كان يكتشف وجود “نوح” ويقت\لني ليعتزله عني ويأخذه.

لكنني لم أتخيل قط أن أجد نفسي حافية القدمين، بشعر ثائر، ورداء قديم فوق ثياب النوم، وثلاثة أنواع مختلفة من الأدوية تناثرت على الطاولة المجاورة للسرير.

دوى جرس الباب مرة أخرى.

ثم تلاه طرق بسلاميات الأضراس على الخشب.

ثلاث طرقات.

حازمة.

تمامًا كما كان يفعل قديماً.

—سارة.

اخترق صوته جدار الباب.

تسربت قشعريرة باردة في أوصالي.

خمس سنوات.

مرت خمس سنوات كاملة، ومع ذلك أستطيع تمييز هذا الصوت من بين آلاف الأصوات.

اتسعت عينا نوح.

—هل هذا هو…؟

هرولتُ نحوه:

—لا تفتح!

لكن بعد فوات الأوان.

كان لطفلي قدرة استثنائية على طاعة كافة أوامري، باستثناء تلك التي تمس مجريات الأمور بحق.

أدار القفل.

وحين انفتح الباب على وسعه، كان “آسر الشعلان” يقف هناك.

لم يكن برفقة صحفيين.

ولا حراس شخصيين.

ولا مساعدين.

كان بمفرده.

معطف أسود يتوشح قميصًا مجعدًا قليلاً، وكأنه خرج للتو من اجتماع طارئ ليركب أول طائرة متاحة.

انتقلت عيناه مني إلى نوح.

ثم عادت إليّ.

لم ينطق بكلمة.

وكان صمته أعتى بكثير مما لو صرخ.

لأنني أعرف تلك الملامح جيدًا.

آسر الشعلان لا يتصنع السكون التام إلا عندما يحاول كبح شيء أكثر خطورة من الغضب.

كان نوح هو من قطع حبل الصمت:

—مرحبًا.

انخفضت عينا آسر نحوه.

وللمرة الأولى في حياتي، رأيتُ شيئًا يشبه الخوف في عيني هذا الرجل.

—مرحبًا —أجاب بصوت خفيض.

أمال نوح رأسه:

—هل أنت آسر؟

—نعم.

—صاحب الصورة؟

—على ما أظن.

—هل أنت أبي؟

أغلقتُ عينيّ.

يا للروعة.

خمس سنوات من الفرار.

خمس سنوات وأنا أحاول صون هذه الحياة.

وكل شيء انتهى بأربع كلمات نطق بها طفل لم يتجاوز الثالثة من عمره.

لم يجبه آسر على الفور.

انحنى حتى صار في مستوى طول نوح.

تأمله بتركيز مؤلم.

ثم سأله:

—من أخبرك بأنني قد أكون أباك؟

—الإنترنت.

وللمرة الأولى في حياتي، رأيتُ آسر الشعلان يلجمه اللسان بسبب الإنترنت!

واصل نوح كلامه:

—أمي تقول إن الإنترنت يقول الكثير من الترهات.

—في هذا تحديدًا، أمك على حق.

—لكنني وإياك نملك الوجه ذاته.

رفع آسر نظرته إليّ:

—يبدو ذلك.

ثم تغيرت نبرته:

—سارة… علينا أن نتحدث.

—لا.

—خمس سنوات دون تبرير واحد، والان أجد طفلاً يحمل ملامح وجهي؟ أظن أن الحديث هو أدنى حقوقي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *