ترقية جوزي – محمد نور

وفجأة سمعت صوت مش غريب عليّا ورايا:

* “نوران؟”

لفيت.. نادية حماتي كانت واقفة جنب مكتب الاستقبال.

كان شكلها انكمش وصغرت في السن أوي.. باين عليها الكبر والكسرة.

كانت جاية عشان تتابع أوراق الق\ضية والمحاكمة بتاعت هشام.

لمدة ثواني، فضلت مبصقة في بدلتي العسكرية.. في النياشين.. وفي الرتبة اللي على كتفي.. وفي كل حاجة عمرها ما كلفت نفسها تتخيلها!

همست وهي مش مصدقة:

* “أنا ما كنتش أعرف…”

بصيتلها وقُلت:

* “أيوة.”

دموع اتملت في عينها وقالت بكسرة:

* “ليه ما قولتليش؟!”

كان ممكن أذكرها بكل إهانة إتهنتهالي.. بكل عزومة.. وبكل نكتة تافهة قالتها عليّا..

بس أديتها الحقيقة الأبسط والأوضح:

* “عشان أنتِ عمرك ما سألتي يا نادية.”

وشها انكمش وعيطت..

لفيت عشان أمشي، فنادت عليّا تاني:

* “نوران!”

وقفت.

* “هو أنتِ بجد كنتِ بتعملي كل ده طوال الوقت ده؟”

* “أيوة.”

* “الست سنين كلهم؟”

* “أيوة.”

بصت للأرض وحطت إيدها على وشها، وسألت السؤال اللي أعتقد كان بياكل في دماغها من ليلتها:

* “ليه سيبتينا نفتكر إنك ولا حاجة؟!”

فكرت في الإجابة كويس وقُلتلها:

* “أنا ما سيبتكوش تتخيلوا كده.. أنتم اللي قررتوا إن طالما مش شايفين أنا بعمل إيه، يبقى اللي بعمله مالوش قيمة ولا وجود!”

ومشيت وسبتها.

قاعة الاجتماعات كانت في الدور الثالث.

العميد دانيال كان جوة مع 11 ظابط وعدد من المسؤولين المدنيين.

أول ما دخلت القاعة، الكل وقف انتباه..

مش لأنني كنت مراته هشام..

ولا لأن حد شفِق عليّا..

ولا لأن جوزي اتقبض عليه..

وقفوا احتراماً للمنصب والرتبة اللي أنا تعبت وتعبت عشان أستحقها!

العميد دانيال أومأ لي براسه ناحية رأس الطاولة وقال:

* “سيادة المقدم نوران الألفي.. إحنا جاهزين لما حضرتك تبدأي.”

حطيت الملف بتاعي على الترابيزة.

ولثانية واحدة، افتكرت الكارت الصغير بتاع اسمي من حفلة الترقية:

“مدام نوران عبدالرحمن”..

ثلاث كلمات مكتوبين على الوش.. وثلاث كلمات على الظهر: “تأكيد وقف الترقية”.

الكارت ده لسه معايا لحد النهاردة.. مش كـ درع نصر، ولا كـ انتقام.. بس كـ تفكير ودليل!

تذكير بقد إيه الناس بتخلط بسهولة بين السكوت والضعف..

وقد إيه بيتلخبطوا بين التواضع وبين إن الشخص مالوش قيمة..

وقد إيه خطير إنك تعتقد إن فيه بني آدم مالوش سلطة أو قوة لمجرد إنه ما بيطلعش يتباهى بيها قدام الناس!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *