حفل تخرج ١ – محمد نور
زوجة أبي حاولت إبعادي من حفل تخرج أخي.. حتى وقف القائد العسكري وأدى لي التحية، ليكشف السر الذي دفنه أبي لسبعة عشر عاماً
كان أول شيء لاحظته زوجة أبي، “سهام”، عندما رأتني في مقر قيادة القوات البحرية هو فستاني الأسود البسيط.
وكان ثاني شيء فعلته هو أن طلبت من رجل الأمن إبعادي من المكان.
قالت بابتسامة متكلفة هادئة، أتقنت رسمها على مدار أربعين عاماً لتغطي بها على قسوتها وتظهر بمظهر الأم المحبة: “إنها أخته الفتّانة المشاغبة.. أرجوكم لا تدعوها تفسد علينا هذا اليوم السعيد.”
نظر شاب الأمن إليّ، ثم نظر إلى “سهام”، ثم عاد بنظره إلى اللوحة القماشية المحمولة في يده والتي تضم قائمة أسماء الحضور.
كان شمس الصباح ساطعة بوهج يؤذي العينين، ورائحة رذاذ البحر والملح تملأ الجو. المظلات البيضاء ترفرف في هواء الشاطئ، بينما تتوافد العائلات لتأخذ أماكنها في صفوف المقاعد المتراصفة.
الأمهات يحتضنّ باقات الزهور، والآباء يرتدون قبعات القوات البحرية التي اشتروها خصيصاً لهذه المناسبة، والأطفال يلهون حول ذويهم. وفي كل لحظة، يرفع أحدهم هاتفه لالتقاط صور للمنصة حيث سيقف أبطال القوات الخاصة البحرية بعد قليل ليستلموا وسام الشرف الذي أبادوا أنفسهم طوال سنوات للوصول إليه.
على بعد بضعة أمتار، كان أخي “طارق” يقف بزيه العسكري الأبيض الناصع.
على الرغم من بلوغه الحادية والثلاثين، إلا أنه ما زال يحتفظ بنفس الفك المربع والملامح الحادة التي ورثها عن أبي. كان يبدو مهاباً وشجاعاً، لكنه كان يبدو أيضاً مرعوباً لمجرد وجودي.
تتبع أبي، “صالح العريان”، نظرات زوجته نحوي، ثم أطلق ضحكة مكتومة ساخرة.
“لقد أتت بالفعل.. لم تتأخر عن إفساد جوّنا.”
لم تكن كلماته عالية، ولم تكن بحاجة لأن تكون كذلك؛ فعائلة “العريان” تقن فن إهانة الآخرين دون الحاجة لرفع الأصوات.
ضمت “سهام” ذراعيها إلى صدرها وقالت: “أخبرتك أنها ستأتي.. اسم عائلتها قد يكون العريان، لكنها ليست جزءاً من عائلتنا اليوم. طارق طلب بالاسم أن يمر هذا اليوم بسلام ودون مشاكل.”
سمع طارق كلماتها، فتصلبت كتفاه. لكسر من الثانية، التقت أعيننا.
انتظرتُ.. كان هناك جزء أحمق بداخلي ما زال ينتظر منه أن يقول: “إنها أختي.. وستبقى هنا.”
لكنه بدلاً من ذلك، خطا نحو خطوات متثاقلة: “أمل..”