مساحة خصوصية _ محمد نور
كنا بنمشي حوالي خمسة كيلومترات معظم أيام السبت، مهما كان الجو.
وبعدها كنا غالبًا بنروح مطعم شعبي في شارع رئيسي قريب، وكانت سامية، الممرضة المتقاعدة من كورس الرسم، أحيانًا بتنضم لينا.
أحمد بقى بيتصل كل يوم أحد.
مش عشان يرتب حاجة.
ومش عشان يطلب خدمة.
بس عشان يتكلم.
كان يحكي لي عن مشاريعه، وعن ليلى وهي بتتعلم كلمات جديدة بسرعة، وعن برنامج صوتي بدأ يسمعه وهو رايح الشغل.
ومرة كل شهر، كان بياخد ليلى وييجي بيها عندي صباح السبت.
كانت تقعد على ترابيزة المطبخ وترسم بالألوان المائية الرخيصة اللي كنت محتفظة بيها مخصوص عشانها.
وكانت بتضحك لما تشوف إن رسوماتي لنفس الموضوع مختلفة تمامًا عن رسوماتها.
علاقتي بسارة بقت عادية ومحترمة.
في عيد الفصح، وفي حفلة ليلى المدرسية، وفي العزومة العائلية اللي هاجر نظمتها في يونيو، كنا بنتعامل بأدب ودفء محدود، زي اتنين فاهمين بعض من غير ما يكون لازم يحبوا بعض.
سارة ما طلبتش مني أطبخ لهم تاني.
وما جابتش سيرة المفتاح الاحتياطي.
وفي عيد ميلادي، بعتت لي رسالة قصيرة ومرتبة:
«كل سنة وإنتِ طيبة يا نادية. أتمنى لك يوم جميل.»
ورديت عليها بنفس البساطة.
الخط الفاصل بيننا بقى واضح.
مش عدائي.
بس صادق.
في إحدى أمسيات أواخر مايو، كنت قاعدة في البلكونة الخلفية، قدامي كوباية شاي مثلج ودفتر الرسم، وببص للضوء وهو بيتغير فوق الجنينة.
سور فادي، السور اللي كان بيجدده بالدهان يوم وفاته، كان محتاج طبقة دهان جديدة.
فضلت مأجلة الموضوع خمس سنين من غير ما أعترف لنفسي بشكل كامل بالسبب.
الأسبوع ده اشتريت الدهان.
وأنا قاعدة هناك، افتكرت ليلة الخميس في أكتوبر.
اللي رجعت فيها البيت والصينية الدافية جنب مني في العربية، وجوا صدري غضب هادي ودقيق.
الغضب اللي ما بيصرخش.
بس بيخليك تشوف الحقيقة بوضوح.
قضيت سنتين كاملتين بأرتب وقتي على حسب جدول حياة ناس تانيين.
عملت ده بدافع الحب.
والحب كان حقيقي.
لكن الحب من غير حدود مش كرم.
الحب من غير حدود بيستنزفك واحدة واحدة.
بتدي وبتدي، لحد ما في يوم حد يقول لك: «ما تيجيش من غير ما تستأذني.»