رحلة من غير العجوزة – محمد نور

 

كنت عارفة بالضبط.

 

«من غير حاجة» كان معناها: من غير بيتي، ومن غير فلوسي، ومن غير استعدادي الدائم إني أخدمه.

 

مديت إيدي في جيب الروب بتاعي وطلعت ورقة مطوية.

 

عديتها له من تحت السلسلة.

 

— إيه دي؟

 

— عنوان مخزن.

 

فتح الورقة.

 

— مخزن إيه؟

 

— كل الحاجات اللي كنتوا سايبينها في الساحل موجودة هناك. هدوم، لعب، أجهزة، كراتين. أنا دفعت إيجار أول شهر. من الشهر الجاي إنت اللي تدفع.

 

رفع عينه لي.

 

ولأول مرة في الليلة دي، ماكانش شكله غاضب.

 

كان مصدوم.

 

— إنتِ فعلًا جهزتي كل حاجة.

 

— أنا ماجهزتش حرب. أنا رتبت حياتي.

 

— ليه دلوقتي؟

 

فكرت في إجابات كتير.

 

لكن كان فيه رد واحد مستني يطلع من سنتين.

 

— عشان يوم عيد ميلادي سمعتك بتتكلم عني.

 

وشه اتغير.

 

— إيه؟

 

— سارة كانت بتتريق على شغلي زمان. كانت بتقول إنها زهقت من حكاياتي عن الخرائط والمقاسات والأراضي. وأنا استنيت منك توقفها.

 

وشه شحب.

 

— ماما…

 

— لكنك قلت إن طول ما أنا برعى عمر وبجهز بيت الساحل، الأحسن تفضلوا تسايروني، لأني «عجوزة غلبانة ومش مؤذية، ووجودها بيسهّل حياة الكل».

 

وطى عينه.

 

كان فاكر الكلام ده كويس.

 

قلت:

 

— كنا بنتكلم من غير ما نفكر.

 

— ودي مشكلتك من سنين.

 

أنا كنت اشتغلت خمسة وتلاتين سنة كفنية خرائط ورفع مساحي.

 

قبل ما أبقى الجدة اللي بتحضر الأكل.

 

وقبل ما أبقى الأرملة اللي الكل شايفها ضعيفة.

 

أنا قضيت نص عمري بقيس الأراضي وبراجع الحدود.

 

وكنت عارفة بالضبط يعني إيه حدود.

 

بس أخدت وقت طويل جدًا عشان أرسم حدودي أنا.

 

— تصبح على خير يا أحمد.

 

— يعني دي النهاية؟

 

— النهارده، أيوه.

 

قفلت الباب.

 

ماعيطتش.

 

ومااحتفلتش.

 

نمت وبس.

 

خلال الشهور اللي بعدها، حياتي اتغيرت بطريقة ماكنتش أتخيلها.

 

أيام الأحد ماعادتش بتدور حوالين أحمد.

 

رجعت أتواصل مع زميلات قدام من أيام الشغل.

 

رتبت صور حسن.

 

وطلعت أدوات الشغل القديمة من خزنة كنت حاطاها فيها: مساطر، فرجار، وخرائط كنت محتفظة بيها للذكرى.

 

حتى بدأت أروح كام ساعة في الأسبوع لأرشيف تاريخي صغير في القاهرة، وأساعد في ترميم الخرائط القديمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *