الخديعة – محمد نور

بينما أنا لم أحظَ حتى بحفل زفاف؛ خرجنا من مجمع المحاكم للزواج المدني وتوجه عمر مباشرة إلى مكتبه، وفي تلك الليلة تناولتُ عشائي بمفردي.

قلتُ للممرضة:

— اتصلي بالمختبر، أريد إجراء فحص الأبوة.

نظرت الممرضة إلى عمر بحرج، فقال هو:

— لا داعي لذلك.

— لماذا؟

— لأنني أعلم أن الطفل طفلي.

— وكيف تتأكد إلى هذا حد؟

ساد الصمت الغرفة، حتى سارة توقفت عن البكاء. ولجزء من الثانية، رأيت الخوف يلمع في عينيها.

كنتُ أعرف هذه النظرة جيداً.

قبل ثلاث سنوات، وجدتُ عطراً نسائياً في سيارة عمر. يومها قالت لي سارة: “أنتِ تتخيلين أشياء لا وجود لها، رجل مثل عمر لن يلتفت لأنسة مثلي أبداً”.

وبعد شهر، ضبطتهما معاً في أحد الفنادق. اتصلت بي سارة وهي تبكي وتُقسم أنها شربت الكثير، وأن عمر هو من أصرّ ولم تستطع إيقافه.

وصدّقتها.

طوال ثلاث سنوات استمررتُ في تصديق أمور كثيرة تبدو لي الآن في غاية السذاجة.

قلتُ بثبات:

— أجروا الفحص. إذا كان الطفل طفله حقاً، فلن أمنعه من حمل اسم عائلته.

ثبّت عمر نظراته عليّ، فعادت سارة تنتحب:

— إن كنتِ لا تثقين بي، يمكنني الرحيل مع طفلي. لا أريد مالاً ولا حَسباً ولا اعترافاً…

— صه يا سارة!

صمتت فوراً.

نظر إليّ عمر بذهول، فلأول مرة منذ ثلاث سنوات يسمعني أحدث أحداً بهذه النبرة.

كنتُ المرأة التي تتحمل كل شيء.

عندما نعتتني والده بأني “زوجة بلا فائدة لا تستطيع حتى إنجاب وريث”، لزمتُ الصمت.

وعندما كان عمر يختفي لثلاث ليالٍ متواصلة، لزمتُ الصمت.

وعندما مسح أي إشارة لزواجنا من حياته العامة وترك الجميع يعتقدون أنه أعزب، لزمتُ الصمت أيضاً.

لكن اليوم كان ذكرى زواجنا. وكان يحتفل به وهو ينتظر طفل امرأة أخرى.

— الفحص… نعم أم لا؟

ركض مساعده “طارق” قادماً من الممر:

— سيد عمر…

عندما رآني توقف وقال:

— سيدة عمر.

قاطعتُه:

— “نور” تكفي… فهو لم يعترف بزوجه يوماً.

أمسك عمر بذراعي بقوة:

— ما الذي تحاولين الوصول إليه بهذه المسرحية؟

أبعدتُ أصابعه عن بشرتي واحداً تلو الآخر:

— الـ DNA.

— لن أسمح بهذه المهزلة.

— إذن سأستصدر أمراً قضائياً.

استقامت سارة على السرير وهي تبكي بحرقة:

— لقد ولدتُ للتو! هل تريدين قتلي بالضغط والتعب؟

حاولت الممرضة تهدئتها، وكان الجميع ينظرون إليّ وكأنني المسخ الشرير في القصة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *