قصة تبني – محمد نور

أنا تبنيت ولد عنده 16 سنة، عشر عائلات قبلي كانوا رجّعوه. وبعد أسبوعين بالظبط من ما التبني بقى رسمي، قعد قصادي على العشا وهمس لي:

 

«ماما… في حاجة لازم أقولها لك. ولو بعد ما تسمعيها قررتي إنك مش عايزاني تاني… هتفهم.»

 

من تلات سنين، فقدت ولادي الاتنين في حادثة عربية.

 

بعدها بشهور، ماكنتش حتى قادرة أعدّي قدام أوضهم، من غير ما أحس كأن حد سحب الهوا من رئتي.

 

سريرهم كان لسه مترتب.

 

حاجاتهم لسه في أماكنها بالظبط زي ما سابوها.

 

لكن مع الوقت، اكتشفت إن في حاجة بقت أصعب عليّ من الحزن نفسه.

 

السكون.

 

بيتي اللي كان زمان مليان حركة، وخطوات، وضحك، وخناقات، ومزيكا، وأبواب بتتقفل بعنف، وأصوات بتنادي من أوضة للتانية…

 

فجأة بقى مافهوش أي حاجة.

 

مجرد أوض فاضية وذكريات.

 

وفي يوم، بعد ما قضيت صباح تاني لوحدي وسط السكون اللي بقى يخنقني، روحت لمؤسسة لرعاية الأطفال اللي من غير أهل.

 

ماكانش عندي فكرة أنا بدور على إيه بالظبط.

 

يمكن أصلًا ماكنتش بدور على حاجة.

 

كل اللي كنت عارفاه إني لسه عندي حب أقدر أديه، وإن العيشة في بيت فاضي كانت بتقت/لني واحدة واحدة.

 

لما دخلت المؤسسة، كان أغلب الأطفال الصغيرين بيلعبوا مع بعض.

 

لكن عيني وقعت على واحد قاعد لوحده جنب الشباك.

 

ولد مراهق.

 

شكله حوالي ستاشر سنة.

 

كان فاتح كتاب على رجله، بينما كل اللي حواليه بيتحركوا ويلعبوا.

 

وأنا بتفرج، بنت صغيرة قريبة منه خبطت بالغلط في علبة ألوان، فالألوان وقعت واتناثرت على الأرض.

 

من غير ما حد يطلب منه، قفل الولد كتابه، وقام وساعدها تجمع كل قلم لون وقع.

 

وبعدها رجع مكانه وفتح كتابه تاني.

 

سألت الموظفة:

 

«مين الولد ده؟»

 

بصت في نفس الاتجاه.

 

«يوسف؟»

 

نبرة صوتها اتغيرت فجأة.

 

«آه…»

 

سكتت لحظة، وبعدين قالت:

 

«غالبًا مش هتختاري يوسف.»

 

الكلمة دي ضايقتني.

 

«وليه لأ؟»

 

وطّت صوتها وقالت:

 

«هو اتنقل قبل كده لعشر عائلات.»

 

بصيت لها باستغراب.

 

«عشر عائلات؟»

 

هزت راسها.

 

«في عائلات عاش معاهم كام شهر. وعائلات تانية ما استحملتش غير كام أسبوع. لكن في الآخر كل الحالات فشلت.»

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *