عزم على اخبارها بكل شيء
اقترب منها قليلاً وحاول أن يعانقها لكنها ابتعدت عنه وقالت:
-لو سمحت متقربش مني، أنا مش عايزة أتكلم في حاجة دلوقت خالص بعد إذنك، “زياد” أنت مش مضطر تبرر أي حاجة ولا تتكلم معايا وتقدر تروح عند مراتك براحتك وتقضي معاها الوقت اللي تحبه المهم تعدل بينا يا زوجي العزيز، بعد إذنك عشان المكرونة لو فضلت كده هتتحرق وفيه حاجات لما بتتحرق مش بنقدر نلحقها مهما عملنا.
شعر بالنيران تسري في جسده كله، كيف لها أن تكون بهذا الثبات؟! لم توبخه، لم تشعره أنه فعل مصيبة كبرى، فقط كانت صامتة طوال هذه المدة من أجل العيش في سلام ولم تسأله عن أي شكوك تراود عقلها، يعلم جيدًا كم تكره زوجته المشكلات وتكره أيضًا أن يضعها في مقارنة مع أي أحد، تحب أن تكون مميزة، الأولوية لها أو العدم، نظر إليها مطولاً فأدرك أن عليه الانسحاب الآن؛ لأن كل كلمة ستخرج من فمه ستكون بلا أي معنى، تركها وخرج من الشقة بأكملها، تركها بعد أن كسر قلبها وفتح جرحًا لن يلتئم بمرور الأيام، بعد أن تأكدت “أنس الوجود” من خروجه خرجت من المطبخ وجلست على الأريكة وبدأت في تناول وجبتها المفضلة المكرونة بالوايت صوص، تعجبت من رد فعلها، ولم تنزل منها أي دمعة، لم تصرخ، لم تنادي عليه؛ كي ينجدها من نفسها الأمارة بالسوء ومن الأفكار السامة المتداخلة داخل رأسها، شعرت أنها تعيش أسوأ أيامها وبأن هناك كابوس مزعج حل عليها على حين غفلة ويأبى الرحيل.
فاقت “أنس الوجود” على صوت “أماني” صديقتها وهي تنادي عليها وتقول:
-“أنس”! أنتِ كويسة؟! بقالي ساعة بنادي عليكِ يا بنتي ولا أنتِ هنا!
-ها! معلشي يا “أماني”، حقك علي، أنا بس سرحت شوية.
-أنا حقيقي مستغربة أفعالك ازاي بعد كل ده قادرة تعيشي وتتأقلمي بعد ما “زياد” اتجوز عليكِ، للدرجادي بتحبيه؟!
تنهدت “أنس الوجود” تنهيدة عميقة ثم نظرت إلى البحر أمامها وقالت:
-مش مسألة بحبه على أد ما حسيت بالراحة في قربه، تعرفي يا “أماني” علاقتنا مكنتش عادية، علاقتنا كانت مختلفة وده اللي قهرني وكسرني ووجعني، مكنتش بروح أشتكي لحد منه لما يزعلني كنت بروح أشتكي ليه، لكن ليه يعاقبني بذنب ماليش علاقة بيه! وهو يعني أنا اللي مش عايزة أخلف! ما دي إرادة ربنا.
اقتربت “أماني” منها وربتت على كتفها وعانقتها بشدة، وفي تلك اللحظة أجهشت “أنس الوجود” بالبكاء ولم تستطع التوقف، كانت تبكي وكأنها لم تبكِ منذ ولادتها، تبكي على الحالة التي وصلت إليها فهي ضعيفة بفطرتها مهما تظاهرت أنها قوية وأنها لا تعاني من أي شيء، أغمضت عينيها وتمسكت بقوة في عنق صديقتها وتذكرت حديثها مع جدها “صالح” بعد أن عزمت أن تذهب إليه بعد صراعها الداخلي مع ذاتها.