كان ابويا واقف – محمد نور
وقفت بسرعة لدرجة إن الكرسي رجع لورا.
—حصل له إيه؟
قالت:
—وقع الصبح. والدكاترة اكتشفوا عنده تمدد في الشريان الأورطي، ودخلناه فورًا عملية طوارئ.
إيدي شدت على الموبايل.
—هو عايش؟
—كان مستقر وقت ما دخل غرفة العمليات.
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
—قبل ما والدك ياخد المهدئ، طلب مننا نسلمك ظرف مقفول. وفيه كمان محامية موجودة هنا وعايزة تتكلم معاك.
اتجمدت مكاني.
—محامية؟
—أيوه. اسمها الأستاذة نورا الشاذلي.
مسكت مفاتيح عربيتي من فوق الرخامة.
ولأول مرة، حسيت إن الـ20 ألف جنيه اللي طلبها مني أبويا من تلات أيام ماكانتش أصل الحكاية…
دي كانت مجرد البداية.
الجزء الثاني
استقر الظرف المقفول في كف إيدي، ولما شفت خط أبويا على ضهره، معدتي اتقبضت.
محمود.
اسمي بس، مكتوب بخط إيد حسن عبدالسلام بنفسه، قبل ما الدكاترة يدخلوا أبويا عملية الطوارئ.
كنت واقف في ممر المستشفى وببص للظرف، خايف من اللي جواه، لكن خوفي الأكبر كان من السبب اللي خلّى أبويا، قبل ما ياخد المهدئ، يوصّي بحاجة واحدة بوضوح شديد:
—سارة ماتشوفش الظرف ده.
قبل تلات أيام بس، مكنتش فاهم أي حاجة.
أبويا كان واقف في نص مطبخي وبيطلب مني عشرين ألف جنيه.
والطلب لوحده كان كفاية عشان أعرف إن فيه حاجة غلط.
أبويا كان من النوع اللي ممكن يقعد ساعة كاملة يصلّح حاجة الناس التانية كانت هترميها وتشتري غيرها، قبل ما يعترف إنه محتاج مساعدة.
قضى أكتر من تلاتين سنة شغال في المقاولات.
كان بيشيل الأخشاب، ويصب الخرسانة قبل الفجر في عز البرد، ويطلع على الأسطح يصلّحها تحت شمس الصيف الحارقة، ويرجع البيت وإيديه دايمًا عليها خدوش جديدة أو طبقة تراب أو كالو من الشغل.
عمره ما كان بيتكلم كتير عن التضحيات.
هو بس كان بيضحي.
لما دخلت الكلية، باع موتوسيكلِه عشان يساعد في مصاريف دراستي، وأنا ماعرفتش الموضوع غير بعدين، من عمي، لما ذكره وسط كلام عادي على سفرة في مناسبة عائلية، كأنه شيء طبيعي جدًا.
ولما كنت عندي تسع سنين وكنت محتاج جزمة كويسة للمدرسة، باع البدلة الوحيدة المحترمة اللي كانت عنده.