كان ابويا واقف – محمد نور

 

بص لي.

 

كان في عينيه حاجة صريحة وممتنة.

 

قال:

 

—أمك كانت هتحب اللي حصل في الآخر.

 

ابتسمت.

 

—إزاي؟

 

قال:

 

—الجزء اللي إنت سامحت فيه الفوضى بدل ما تسامح النهاية بس.

 

—

 

دلوقتي، كل ما أروح وادي النخيل في يوم سبت هادي، أفكر في الكلام ده.

 

أفكر قد إيه كنت قريب من إني ماعرفش أي حاجة.

 

تمدد في الشريان كان ممكن ياخد أبويا قبل ما يلاقي الشجاعة إنه يكتب الرسالة.

 

وسر هالة كان ممكن يموت معاها في البيت الصغير ده.

 

وكان ممكن كل حاجة تفضل من غير تفسير، لو محامي التركة ماكانش دقيق كفاية إنه يرجع لورقة قديمة من المستشفى ويدور ورا اسم محدش نطقه بصوت عالي من عشرات السنين.

 

أبويا دلوقتي أحسن.

 

أغلب الوقت.

 

أبطأ من زمان.

 

وبيخاف على نفسه أكتر.

 

وده أحيانًا بيخنقني لما آخد بالي.

 

أبويا، اللي كان زمان يشيل أخشاب ويطلع بيها تلات أدوار من غير ما يتعب، بقى دلوقتي يقعد نص الطريق وهو بيجز النجيلة الصغيرة قدام بيته.

 

لكن هو موجود.

 

وعقله حاضر.

 

وكل أسبوع بيتصل بيا.

 

مش عشان محتاج حاجة.

 

زي ما كان طول عمره يقول إنه مش محتاج حاجة.

 

لكن مرة قال لي، وهو محرج تقريبًا من صدقه:

 

—أنا قضيت وقت طويل جدًا وأنا حريص في الحاجات اللي بطلبها منك.

 

سكت لحظة.

 

—فقلت أبدأ أتعود أطلب الحاجات السهلة كمان.

 

ضحكت.

 

—زي إيه؟

 

قال:

 

—زي إني أسمع صوتك بس.

 

—

 

خطابات هالة موجودة دلوقتي في درج عندي في البيت.

 

بقرأهم مرة كل سنة في عيد ميلادي.

 

طقس خاص بيا.

 

ومحدش محتاج يفهمه.

 

أما سجل التبنّي الرسمي، ونتيجة تحليل الـDNA، وكارت الأستاذة نورا، فكلهم موجودين في نفس الملف الأصفر اللي أبويا بدأه.

 

لأن فيه حاجات تستاهل تتحفظ بالضبط بالطريقة اللي علمني أبويا أحفظ بيها أي حاجة مهمة.

 

بحرص.

 

ومع كل دليل يثبتها.

 

عشان محدش، أبدًا، يقدر يقول لأي واحد فينا إننا تخيلنا اللي حصل.

 

—

 

العشرين ألف جنيه اللي اديتهم لأبويا في جنينة بيتي قبل العملية بتلات أيام، طلعوا أصغر جزء من كل الحمل اللي كان شايله في اليوم ده.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *