كان الرقيب

سألت العاملة، فتشت كل زاوية… ولم أجد شيئًا.

وفي يوم العزاء… لم يعد في قلبي مكان لأي حيرة.

كان البيت ممتلئًا بالنساء، أصوات خافتة، دعاء، ورائحة القهوة السادة.

الكل يرتدي السواد، والوجوه يكسوها الحزن والسكينة.

ارتديت عباءة سوداء بسيطة… لأن البساطة لا تخون.

دخلت المسجد وقلبي مثقل…

الرجال في جهة، والنساء في جهة، وصوت تلاوة القرآن يملأ المكان بهدوء يوجع القلب.

كان والدي رجلًا صالحًا… حضر جنازته الكثيرون… يدعون له ويذكرون طيبته.

ثم نظرت إلى الصف الأول.

كان زوجي “كريم” جالسًا في مكانه الطبيعي…

وبجانبه… كانت “ريما”… ترتدي فستاني.

تجمدت في مكاني.

الفستان الذي بحثت عنه أيامًا… كان أمامي… على جسد امرأة أخرى… داخل عزاء والدي.

اقتربت دون أن أشعر.

“ريما…؟” قلت بصوت منخفض، “إنتِ بتعملي إيه هنا؟”

نظرت لي بهدوء وقالت:

“البقاء لله يا نادين.”

وكانت يدها… في يد زوجي.

حينها رفع كريم نظره… وكان وجهه كافيًا ليكشف الحقيقة.

لم يكن مصدومًا… ولا غاضبًا…

كان خائفًا… ومذنبًا.

كل تأخيراته، كل أعذاره، كل غيابه… أصبح مفهومًا.

نظرت إليه ثم إليها وقلت:

“إزاي لابسة فستاني؟”

ساد صمت… ثقيل.

ثم قالت بهدوء مستفز:

“كريم هو اللي اداهولي… قال إنك مش بتلبسيه.”

نظرت إلى زوجي:

“قول إنها بتكدب.”

لكنه لم ينطق.

اقترب مني وقال هامسًا:

“نادين… مش وقت الكلام ده.”

نظرت له بصدمة:

“مش وقت؟! إنت جايبها عزاء أبويا… وبتلبس فستاني!”

بدأت بعض النساء تلتفت… والهمسات بدأت تنتشر.

وقف كريم مرتبكًا:

“نتكلم بعدين…”

لكن ريما وقفت، وعدّلت الفستان، وقالت بثقة:

“إحنا خلاص مش عايزين نستخبى… وبصراحة… أنا بقيت جزء من حياته.”

ساد صمت ثقيل.

بعض النساء شهقن… وعمتي هالة نظرت لها بنظرة حادة لم أرَ مثلها من قبل.

في تلك اللحظة… شعرت بشيء غريب بداخلي.

لم يكن ألمًا فقط…

بل يقين.

حين يُهان الإنسان أمام الناس… لا يجب أن يحمي من أهانه.

بعد قليل، اقترب المحامي “الأستاذ مراد” وقال بهدوء:

“والدك أوصى إن الوصية تتقري فور انتهاء العزاء.”

رفعت ريما رأسها بثقة…

لكن وجه كريم تغيّر تمامًا.

ولأول مرة… شعرت أن ما سيحدث… سيكون أقسى مما مضى.

بعد انتهاء العزاء، اجتمعنا في غرفة جانبية.

جلست أنا… وبجواري زوجي… وبجواره ريما… لا تزال تمسك يده… لا تزال ترتدي فستاني… وكأن شيئًا لم يحدث.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *