كان الرقيب
—
لم أنم تلك الليلة.
ظل صوت التسجيل في هاتفي يتكرر في رأسي… كل كلمة قلتها، كل صرخة من أبي، وكل لحظة شعرت فيها أنني غير مرئية داخل بيتي.
وفي الصباح، كنت قد اتخذت قرارًا لا رجعة فيه.
دخلت المدرسة وأنا أحمل هاتفي كأنه سـ,ـلاحي الوحيد. لم أعد نفس “مريم” التي تصمت وتتحمل.
سلمى اقتربت مني فورًا:
— حصل إيه امبارح؟
أخرجت الهاتف من جيبي وقلت بهدوء:
— سجلت كل حاجة.
اتسعت عيناها:
— ناوية تعملي إيه؟
لم أجب مباشرة… لكن بداخلي كنت أعرف.
“مش هسكت تاني.”
في نفس الوقت، داخل البيت…
كانت رنا تعيش حياتها كأنها انتصرت في معركة. غرفتِي أصبحت غرفتها، ملابسي في خزانة جانبية، وصوري القديمة اختفت من الحائط.
وأبي… كان يبرر كل شيء بكلمة واحدة:
— الظروف.
لكن الظروف بدأت تتغير.
في منتصف اليوم، وصلتني رسالة من أمي:
“مريم، باباك قالي إنك ضـ,ـربتي رنا… إيه اللي بيحصل؟”
توقفت لحظة.
إذن القصة وصلت لها بهذه الصورة فقط.
رددت بسرعة:
“تعالي شوفي بنفسك.”
ولأول مرة… لم أطلب إذنًا.
—
عند العصر، عاد أبي إلى البيت، ومعه أمي.
دخلت أمي وهي تنظر حولها بقلق:
— فين مريم؟
كنت جالسة في الصالة. نظرت لها مباشرة دون دموع.
— أنا هنا.
نظرت إلى وجهي، ثم إلى المرتبة على الأرض، ثم إلى باب غرفتي المغلق.
— إيه اللي بيحصل في البيت ده؟
قبل أن أرد، خرجت رنا من الغرفة وهي تمسك كوب قهوة، وقالت بصوت منخفض:
— أنا آسفة… لو وجودي سبب مشاكل.
نفس الجملة.
نفس الأداء.
لكن هذه المرة… لم تؤثر.
أمي نظرت لأبي:
— بنتك نايمة في الصالة؟!
أبي رد بسرعة:
— كانت بتبالغ، وخبطت أختها…
قاطعته.
هذه المرة أنا من تكلم:
— أنا مش ببالغ.
سكون.
أخرجت هاتفي، ووضعت التسجيل على الطاولة.
ضغطت تشغيل.
بدأ صوتي يملأ المكان… ثم صوت أبي… ثم اتهـ,ـاماته… ثم صرخاته.
تغير وجه أمي.
— إيه ده؟
اقترب أبي بسرعة:
— ده كلام متفبرك!
لكن الصوت استمر.
رنا فجأة قالت:
— ده ظلم… أنا عمري ما…
لكن صوت التسجيل قطعها.
كان واضحًا جدًا… لا يمكن إنكاره.
الصمت الذي تبع ذلك كان أثقل من أي صراخ.
أمي جلست على الكرسي:
— يعني بنتي كانت نايمة على الأرض فعلاً؟
لم يجب أحد.
نظرت إليّ ثم قالت بصوت مكسور:
— ليه ما قولتيليش؟
ابتسمت بمرارة:
— كنتِ هتصدقي؟
لم ترد.
وهذا كان الجواب أيضًا.
فجأة… رن هاتف أبي.
رقم غريب.
رد وهو متوتر… ثم تغير وجهه تمامًا.