كان الرقيب
أومأت دون أن أتكلم.
لكن ذهني لم يكن هنا.
كان هناك شيء ما ما زال عالقاً… ليس في الأرقام، بل في الصورة الأخيرة.
كريم.
—
في نفس الوقت…
كان كريم جالساً في شقة صغيرة في مدينة الإسكندرية، بعيدة عن عالمه السابق.
لم يعد يرتدي الساعة الفاخرة.
ولا النظارة التي كان يستخدمها كدرع اجتماعي.
كان ينظر إلى شاشة هاتفه فقط… والأخبار لا تتوقف.
“سقوط عائلة القاضي بعد أزمة مالية غير مسبوقة…”
“استحواذ مفاجئ على أصول بحرية كبرى…”
وكل مرة يرى اسم “ليلى”، يشعر كأن شيئاً يضغط على صدره.
—
دخلت سوزان إلى الغرفة.
لكنها لم تكن كما كانت.
لا مكياج مثالي، لا ثقة، لا صوت مرتفع.
“كريم…” قالت بصوت منخفض.
“إحنا لازم نرجع نتحرك. نلاقي حل.”
لم يرد.
فجلست أمامه مباشرة: “البنت دي دمرتنا… وإنت ساكت كده؟”
رفع عينيه إليها لأول مرة ببطء.
“هي ما دمرتناش يا أمي.”
سكتت.
كأن الجملة كانت غريبة على مسامعها.
أكمل: “إحنا اللي كنا عايشين فوق حاجات مش بتاعتنا من الأول.”
—
في تلك اللحظة، كان شيء يتغير داخله.
ليس غضباً.
بل إدراكاً متأخراً.
—
في مقر الصندوق، وصلت رسالة غير متوقعة إلى مكتبي.
رسالة قصيرة بدون توقيع:
> “أنا عارف إني خسرتك… بس محتاج أفهم. كريم.”
حدقت في الشاشة طويلاً.
لم أفتحها فوراً.
لأن بعض الرسائل لا تُقرأ ككلمات فقط… بل كاختبار.
نادين لاحظت صمتي: “هل هناك مشكلة؟”
أغلقت الهاتف بهدوء: “لا.”
لكن داخلياً… كان هناك شيء آخر تماماً.
—
في المساء، خرجت إلى شرفة المكتب.
النيل كان هادئاً، لكن داخلي لم يكن كذلك.
أتذكر كل شيء الآن بوضوح مختلف:
ليس إهانة اليخت.
ليس لحظة السقوط.
بل اللحظة التي نظرت فيها إليه ولم يقف بجانبي.
هذه هي الحقيقة التي لا تحتاج محكمة لإثباتها.
—
في نفس الوقت…
كريم كان يسير على الكورنيش في الإسكندرية.
كل خطوة كانت أثقل من السابقة.
لم يكن يبحث عن مال… ولا عن نفوذ… ولا عن عودة الماضي.
كان يبحث عن شيء واحد فقط:
أن يفهم لماذا خسرها.
—
أخرج هاتفه مجددًا وكتب:
“أنا مش عايزك ترجعي… أنا عايز أعرف بس… هل كان في لحظة واحدة… كنتِ فيها لسه شايفاني أنا، مش هم؟”
تردد قبل الإرسال.
ثم ضغط.
—
في القاهرة، وصل الإشعار.
نظرت إلى الشاشة.
هذه المرة… لم أغلقها.
لكنني أيضاً لم أجب.
وضعت الهاتف جانباً، ورفعت عيني إلى أضواء المدينة.
لأن بعض الأسئلة…