كان الرقيب
ليست مشكلتك.
هذا ليس آمنًا.
ثم بدأ الصوت يضعف.
وهنا فتحت ليلى عينيها.
يمكن للطفل أن يبكي طويلًا عندما يكون غاضبًا أو مرهقًا أو خائفًا.
لكن عندما يتجاوز الجوع حدّه… يتغير الصوت.
يفقد قوته.
يتحوّل إلى أنين متقطع أضعف وأخطر.
ليلى سمعت هذا الصوت من قبل في غرف المستشفيات عند الثالثة صباحًا، عندما كانت الأمهات الجدد ينهارن من الإرهاق والأطفال يبحثون عن حياة لا تأتي.
كانت تعرف هذا النوع من البكاء.
الطفلة كانت تتضور جوعًا.
في مقدمة الطائرة، كان كريم المصري يجلس على مقعد من الجلد الإيطالي الفاخر كأنه ملك منحوت من الحجر والخطر.
طوله يقارب المترين، كتفاه عريضتان، بدلة رمادية داكنة تناسب قاعات الاجتماعات أو الجنازات أو المحاكم التي لا يجرؤ أحد فيها على الشهادة ضده.
يداه كانتا مغطاتين بالوشوم.
أيدي تجعل الناس يخفضون أصواتهم تلقائيًا عند مروره.
لكن تلك اليدين كانتا ترتجفان وهو يحمل ابنته.
كانت الطفلة تتلوى بين ذراعيه، وجهها أحمر من البكاء، ثم بدأت تنهار إلى إرهاق مخيف.
حاول كريم زجاجة الحليب مرة أخرى.
لمست الحلمة شفتيها… فأدارت وجهها وكأنها ترفضها.
المضيفة كانت واقفة قرب المطبخ الصغير، شاحبة رغم المكياج.
ثلاثة من الحراس في الخلف تظاهروا بعدم المراقبة، لكنهم كانوا يراقبون كل شيء.
رجال مهيأون للعنف.
يرتدون سترات سوداء تخفي ما تحته.
يبدون وكأنهم سيقفون أمام الرصاص دون تردد.
لكن أحدًا منهم لم يقترب من الطفلة.
وفهمت ليلى الإحراج قبل أن ينطق أحد بكلمة.
هناك عجزٌ يُجرد أخطر الرجال من كل شيء.
وكريم المصري كان في هذه الحالة الآن.
ابنته تحتاج شيئًا لا يستطيع المال ولا النفوذ ولا الخوف توفيره في السماء.
وحين نهضت ليلى أخيرًا وتقدمت نحوه، ساد صمت كامل داخل الطائرة.
لأنها لم تكن تمشي نحو طفلة تبكي فقط…
بل كانت تدخل عالمًا لا يسمح لمن يدخله أن يخرج كما كان أبدًا.
لم تتحرك الطائرة من مكانها وكأن الزمن نفسه توقف داخل المقصورة.
كل العيون كانت تراقب ليلى حسن وهي تقترب من مقدمة الطائرة.
لم يكن أحد يمنعها…
لكن أيضًا لم يكن أحد يرحّب بها.
كان الصمت أخطر من الصراخ.
توقفت أمام كريم المصري على مسافة خطوة واحدة فقط.
عيناه ارتفعتا إليها ببطء، نظرة رجل اعتاد أن يُطاع… لا أن يُقاطع.
قال بصوت منخفض لكنه حاد: “ارجعي مكانك.”