كان الرقيب
نظرت إليه أخيراً.
ليس بغضب.
بل بنفس البرود الذي يخرج عندما ينتهي شيء إلى الأبد.
“أنا ما بهزرش يا كريم.”
صمت.
الميناء كله كان يبدو وكأنه توقف.
ثم اقتربت سوزان مني فجأة، لكن هذه المرة لم تكن دفعة… كانت رجاءً غاضباً: “إنتِ عملتي كده عشان تنتقمي؟ عشان ابننا؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة بلا دفء: “أنا ما خططتش للانتقام… أنا خططت للاستثمار.”
كريم كأن الأرض سحبت من تحته: “يعني إيه؟”
أخرجت هاتفي، وضغطت على ملف داخلي.
“يعني إن المقهى اللي كنت بروح أشتغل فيه الصبح… هو جزء صغير من شبكة أصول تابعة لصندوقي.”
رفعت عيني إليه: “وأبوك كان بيوقع عقود تمويل وهو فاكر نفسه بيستفيد… وهو فعلياً كان بيغرق نفسه.”
فؤاد تراجع خطوة، وجهه بدأ يفقد لونه: “ده مستحيل… المستندات دي مش من حقك…”
نادين قاطعته: “كل المستندات موثقة ومسجلة في هيئة الرقابة المالية البحرية.”
ثم أضافت بهدوء قاتل: “بأمر المحكمة… يُمنع التصرف في أي أصل حتى انتهاء إجراءات التصفية.”
في تلك اللحظة، دخلت زوارق إضافية للميناء.
لم تكن شرطة فقط… بل فرق تنفيذ قانوني.
كريم رمى الورقة على الأرض كأنها تحرق يده: “إنتِ كنتي بتضحكي علينا كل ده؟”
وهنا… لأول مرة… شعرت بشيء يتحرك داخلي.
ليس شفقة.
بل خيبة قديمة كنت أظن أنني دفنتها.
“أنا ما ضحكتش عليك” قلت بهدوء.
“أنا كنت شايفة حقيقتكم… من أول يوم.”
اقتربت منه خطوة: “إنت اللي اخترت تصدق الصورة اللي أمك رسمتها عني… مش أنا اللي خدعتك.”
صمت.
ثم جاء الصوت الأخير الذي غير كل شيء:
راديو من جهة التنفيذ: “تم تأكيد حجز السفينة بالكامل… وبدء إجراءات الإخلاء.”
سوزان فقدت السيطرة تماماً، صرخت باسم كريم: “اعمل حاجة! ده ابننا!”
لكن كريم لم يتحرك.
كان ينظر إليّ فقط.
كأنه لأول مرة يرى شخصاً لم يكن يفهمه أبداً.
ثم قال بصوت منخفض جداً: “لو كنتِ قلتي من البداية… كنتِ هتعامليني إزاي؟”
سؤال بسيط… لكنه أخطر من كل ما حدث.
اقتربت منه أكثر، وقلت: “زي ما أنت عاملتني دلوقتي… ولا أسوأ.”
ثم استدرت.
وفي اللحظة التي خطوت فيها بعيداً، سمعت صوته ينكسر خلفي:
“ليلى… استني…”
لكن صوت الأوامر في الميناء كان أعلى.
وصوت الإغلاق القانوني كان أسرع.
والحقيقة… كانت قد بدأت تتحرك بدوني وبدونه.
وفي الخلف… على سطح اليخت الذي لم يعد لهم…
بدأت أولى خطوات السقوط الحقيقي.