كان الرقيب

فتحت الظرف بيد مرتجفة… وبدأت أقرأ:

“نادين…

إذا كنتِ تقرئين هذه الكلمات، فأنا لم أعد معكِ…

لكنني أعرفكِ جيدًا. أعرف أنكِ ستصمتين حتى تتألمي، وستتحملين حتى تنكسري…

لا تفعلي هذه المرة.

الكرامة لا تُستعاد بالصمت.

والخيانة لا تُغتفر لأنها تكررت… بل لأنها حدثت من الأساس.

لقد بنيتُ لكِ ما يكفي لتبدئي من جديد…

لكن القرار… قراركِ أنتِ.

اختاري نفسكِ.”

لم أتمالك نفسي…

دموعي نزلت بصمت… لكن داخلي كان يهدأ لأول مرة منذ أسابيع.

رفعت رأسي ببطء…

نظرت إلى كريم…

ثم إلى ريما… التي لم تعد تنظر لي بثقة كما قبل.

وقفت.

وكل العيون عليّ.

قلت بهدوء… لكن بنبرة لم يسمعها مني أحد من قبل:

“بعد العزاء… يا كريم… متدخلش البيت.”

تجمد في مكانه:

“نادين… إنتِ بتقولي إيه؟!”

نظرت له بثبات:

“البيت باسمي… زي ما سمعت.”

حاول يتكلم… يبرر…

لكنني قاطعته:

“وخد اللي معاك… أنت وهي.”

ساد صمت ثقيل.

ثم استدرت… وخرجت.

ولأول مرة… لم أشعر أني أهرب…

بل أني أنجو.

خرجت من الغرفة وأنا أشعر أن كل خطوة آخذها… تعيد لي جزءًا من نفسي.

لم ألتفت خلفي.

لم أحتج أن أرى وجوههم.

كنت أعرف جيدًا ماذا يحدث هناك… ارتباك، صدمة، ومحاولات يائسة للسيطرة على موقف خرج من أيديهم.

لكن القصة… لم تنتهِ بعد.

في تلك الليلة، عدت إلى البيت وحدي.

البيت الذي عشت فيه خمسة عشر عامًا…

البيت الذي ظننته يومًا “بيتنا”.

جلست في الصالة، أنظر حولي.

كل شيء كما هو… الأثاث، الصور، حتى أكواب القهوة التي كنا نتركها على الطاولة.

لكن الحقيقة؟

لم يعد هناك “نحن”.

بعد ساعة تقريبًا، سمعت صوت المفتاح في الباب.

دخل كريم.

توقفت للحظة… ثم نظرت إليه بهدوء.

“قلتلك متدخلش.”

حاول أن يبدو هادئًا، لكنه كان متوترًا بشكل واضح:

“نادين… لازم نتكلم.”

أشرت بيدي نحو الباب:

“اتكلم… من بره.”

تنهد بضيق، ثم أغلق الباب خلفه ودخل بالكامل، وكأنه يتحداني.

“أنا غلطت… بس مش للدرجة دي.”

ضحكت… ضحكة قصيرة، باردة:

“مش للدرجة دي؟ جايبها عزاء أبويا… ولابسة فستاني… وبتقول إنها بقت من العيلة… ومش للدرجة دي؟”

سكت.

ثم قال بسرعة:

“الموضوع بدأ من فترة… وأنا كنت هقولك…”

قاطعته:

“بس ما قلتش.”

اقترب خطوة:

“أنا كنت محتاج وقت.”

نظرت له بثبات:

“وأنا كنت محتاجة زوج.”

الصمت سقط بيننا… ثقيل.

ثم قال فجأة، وكأنه وجد ورقة أخيرة يلعب بها:

“طيب خلينا نكون عقلانيين… البيت، الفلوس، كل حاجة… دي حياة كاملة. مش هنهدم كل ده عشان غلطة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *