كان الرقيب
لم تجبه فورًا.
لم تنظر إليه أصلًا.
كانت تنظر إلى الطفلة فقط.
كان وجه الصغيرة قد أصبح شاحبًا بشكل مخيف، واليد الصغيرة التي تمسك إصبع والدها لم تعد تقبض بقوة، بل ترتخي كأنها تستسلم.
في تلك اللحظة، شعرت ليلى بشيء ينكسر داخلها.
ليس خوفًا…
بل شيء أعمق من الخوف.
قالت بهدوء: “هي مش هتمـ,ـوت وهي في إيديكم كده.”
اشتدت ملامح كريم فورًا.
تحرك أحد الحراس في الخلف خطوة للأمام، لكن إشارة واحدة من يده أوقفته.
لم يكن يحتاج إلى صراخ.
كان صوته وحده كافيًا: “مين قالك تتدخلي؟”
أجابت ليلى بصوت منخفض لكنه ثابت: “أنا مش بتدخل… أنا فاهمة هي محتاجة إيه.”
نظر إليها نظرة طويلة.
ثم قال بسخرية باردة: “وإنتِ إيه؟ دكتورة؟”
ترددت لحظة.
ثم قالت الحقيقة التي لم تكن تخطط لقولها: “أنا أم.”
سكتت الطائرة كلها.
حتى صوت المحركات بدا وكأنه خفت.
نظرات الحراس تبدلت.
نظرة كريم تغيرت… ليس إلى لين، بل إلى شيء أكثر خطورة: اهتمام.
قال ببطء: “كان عندك طفل؟”
لم ترد.
لكن صمتها كان الإجابة.
في تلك اللحظة، تحركت الطفلة بين ذراعيه، وأطلقت صوتًا ضعيفًا أكثر من أي وقت سابق… كأنها تنادي أي حياة تنقذها.
ليلى لم تنتظر الإذن.
مدّت يدها بهدوء.
“ممكن أشيلها؟”
أول مرة في حياته، لم يجب كريم فورًا.
نظر إلى ابنته… ثم إليها… ثم إلى الحراس.
لم يثق بأحد.
لكن الطفلة بدأت تبكي بصوت متقطع، ضعيف، ينهار بسرعة.
وفي النهاية…
أومأ برأسه.
تحركت ليلى ببطء شديد، كأنها تخطو داخل حقل ألغام.
وحين وضعت الطفلة بين ذراعيها…
حدث شيء غريب.
البكاء لم يتوقف فورًا…
لكنه تغيّر.
كأن الجسد الصغير تذكر شيئًا قديمًا.
دفء.
أمان.
حياة.
ليلى جلست في المقعد الجانبي، وبدأت تهدئ الطفلة بصوت خافت، بينما جسدها يرتجف هي الأخرى.
أحد الحراس همس: “دي مجنونة…”
لكن كريم لم يرد.
كان يراقب فقط.
يراقب كيف توقفت ابنته عن الانهيار بين ذراعي امرأة غريبة… لأول مرة منذ ساعات.
ثم قال فجأة بصوت منخفض جدًا: “لو حصل لها حاجة… إنتي مش هتوصلي لأي مكان.”
لم تلتفت ليلى.
فقط قالت وهي تهز الطفلة برفق: “مش هحصلها حاجة… لأنها أخيرًا مش لوحدها.”
وفي تلك اللحظة…
بدأت الطفلة تلتقط أنفاسها من جديد.
لكن على متن تلك الطائرة…
بدأت قصة أخطر بكثير من مجرد إنقاذ طفل.
للجزء الثالث
الطائرة واصلت التحليق فوق طبقة من الغيوم الثقيلة، لكن داخل المقصورة كان هناك توتر أشد من أي عاصفة في الخارج.