كان الرقيب

—

صمت جديد.

ثم أخرج من جيبه ورقة صغيرة… مطوية بعناية.

“دي رسالة كنت كاتبها يوم اليخت… بس ما عرفتش أديها لك.”

لم ألمسها.

“اقرأها لو حابب… أو سيبها.”

وضعها على الطاولة بيننا.

لكنني لم أنظر إليها.

لأنني كنت أعرف أن بعض الكلمات… لو وصلت متأخرة، بتوجع أكتر مما بتصلّح.

—

وقف كريم.

“أنا مش جاي أطلب رجوع.” “أنا بس كنت عايز أعرف… هل في لحظة واحدة… كنت لسه شايفاني؟”

نظرت إليه طويلاً.

ثم قلت بهدوء:

“كان في لحظة واحدة.” “بس أنت ما لحقتش تحافظ عليها.”

—

سكت.

كأن الإجابة كانت أقسى مما توقع.

—

اقترب من الباب، ثم توقف: “لو الزمن رجع… كنتي هتختاري نفس الطريق؟”

نظرت إلى النيل خلف الزجاج.

“نعم.”

ثم أضفت بصوت أقل حدة: “لأني لو ما اخترتوش… كنت هخسر نفسي قبل ما أخسرك.”

—

خرج.

وبقيت أنا وحدي في المكتب.

لكن للمرة الأولى… لم أشعر بالنصر.

بل بشيء يشبه الفراغ.

—

في الخارج، كريم نزل درجات المبنى ببطء.

كل خطوة كانت كأنها بتغلق صفحة.

وفي جيبه كانت الورقة ما زالت مغلقة… لكنه لم يعد بحاجة لفتحها.

لأنه فهم أخيراً أن بعض الإجابات… لا تأتي من الكلمات.

بل من اللحظة التي تنتهي فيها القصة دون رجعة.

—

وفي أعلى المبنى، كنت أراقب المدينة.

وأعرف أن هذا ليس نهاية الحكاية.

بل بداية حياة جديدة… لكل واحد منا، بطريق مختلف تماماً.

يتبع… 👇

بعد مغادرة كريم، لم يتحرك في المكتب شيء… لكن كل شيء داخلي كان يتحرك بعنف.

الهدوء الذي تركه خلفه لم يكن هدوء راحة، بل هدوء فراغ.

نادين دخلت بعد دقائق، ووضعت ملفاً على الطاولة دون أن تتكلم في البداية.

ثم قالت: “تم استلام الرسالة التي تركها. هل نؤرشفها أم نعدمها؟”

نظرت إليها لحظة.

“أرشفوها.”

لم أسأل نفسي لماذا. ربما لأن جزءاً صغيراً مني لم يكن مستعداً لإغلاق كل الأبواب بنفس السرعة التي أغلقتها به أمامه.

—

في نفس الوقت…

كان كريم خارج المبنى، واقفاً في الشارع، لا يتحرك.

المدينة حوله كانت تمشي بسرعة، كأنها لا تعرف أن شخصاً بداخلها توقف تماماً.

أخرج الهاتف، نظر إلى آخر محادثة بيننا… ثم أغلقه.

لم يحذفها.

لم يرد.

فقط تركها كما هي… كأثر لا يريد لمسه، لكنه لا يستطيع التخلص منه.

—

في الأيام التالية، بدأت الأمور تهدأ ظاهرياً.

الصحافة انتقلت إلى قصة جديدة.

العائلة فقدت حضورها الاجتماعي بالكامل.

لكن داخل صندوق سيادة، كانت هناك تقارير جديدة تظهر على مكتبي كل يوم… ليست عن المال، بل عن التغييرات في السوق، وعن آثار ما حدث.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *